جريدة الرياض - 6/17/2026 1:45:47 AM - GMT (+3 )
تعرّف المادة 132 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني جريمة العصيان المسلح بأنها «رفع السلاح في وجه السلطة الشرعية والتمرد عليها بقوة السلاح»، وحسب هذا النص فإن من يقوم بهذه الجريمة سواء أكان فردًا أو جماعة يعد مرتكبًا لجرم الخيانة الوطنية.
كما أن المادة 128 من القانون نفسه تنص على عقوبة الإعدام بحق من يقوم بالاتصال غير المشروع بدولة أجنبية، لما لذلك من إضرار بمركز الدولة. وهذا ما يواجه عيدروس الزبيدي صانع الفوضى في اليمن.
ولقد برزت في الوقت الراهن تساؤلات متزايدة حول مصير الموارد العامة في المحافظات الجنوبية، وحول الجهات التي أدارت تلك الموارد وكيفية إنفاقها، وسط اتهامات متصاعدة بوجود شبكات نفوذ سياسية واقتصادية استفادت من ظروف الحرب والانقسام لإعادة تشكيل خريطة القوة والثروة في الجنوب.
ومع انتقال ملف عيدروس الزبيدي من دائرة الاتهامات السياسية والإعلامية إلى مسار قضائي وفق ما تتداوله مصادر رسمية وسياسية، بدأت تتكشف ملامح قضية تتجاوز شخصاً بعينه لتطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمال والنفوذ في اليمن خلال سنوات الحرب.
هذا التقرير يتتبع أبرز الملفات التي أثيرت حول إدارة الموارد العامة والأراضي والعقارات وقطاعات النفط والاستيراد والخدمات، من خلال قراءة المعطيات المتداولة والاتهامات المطروحة في الملف.
ولقد أصدر النائب العام اليمني قاهر مصطفى، قرارًا قضى بتشكيل لجنة للتحقيق بالوقائع المنسوبة لرئيس ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وفق ما أوردته وكالة سبأ الرسمية.
وأوضحت الوكالة أن اللجنة، ستتولى التحقيق في الوقائع المنسوبة للزبيدي، والمتمثلة في الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية، وتشكيل عصابة مسلحة، وارتكاب جرائم قتل بحق ضباط وجنود القوات المسلحة، واستغلال القضية الجنوبية العادلة والإضرار بها، من خلال انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، وفق المصدر.
وأضافت سبأ أن التحقيق يشمل وقائع منسوبة للزبيدي منها «تخريب المنشآت والمواقع العسكرية، والاعتداء على الدستور والسلطات الدستورية، وخرق الدستور ومخالفة القوانين، والمساس بسيادة واستقلال البلاد».
حوّل المال العام من وسيلة لخدمة المواطنين إلى أداة لإنتاج النفوذ وإدامته
أين ذهبت إيرادات الجنوب؟
وفق الاتهامات التي يوجهها النائب العام في اليمن، فإن عيدروس الزبيدي سيطر وأعوانه، خلال السنوات الماضية على مصادر مالية ضخمة شملت إيرادات الموانئ والجمارك والضرائب والرسوم المحلية وجبايات متعددة فرضت في عدد من المحافظات الجنوبية.
وتشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن تلك الموارد لم تورد إلى البنك المركزي اليمني أو إلى الحسابات الحكومية المعروفة، ما يعني عملياً ظهور قضايا فساد ومسار مالي موازٍ خارج المنظومة المالية الرسمية.
وخطورة هذه القضية لا تكمن في حجم الأموال المحتملة فقط، بل في تأثيرها المباشر على قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية وإدارة السياسة النقدية. فيما تكشف المعطيات المتداولة عن اتهامات تتعلق باستخدام الإيرادات العامة في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية لا تخضع بصورة كاملة للمؤسسات الرسمية للدولة.
ولذلك القضية لا تتعلق فقط بفساد مالي، بل بإعادة هندسة موازين القوة داخل الدولة اليمنية، فالمعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تستخدم موارد عامة لبناء نفوذ سياسي وعسكري خاص. وبذلك يتحول المال العام من وسيلة لخدمة المواطنين إلى أداة لإنتاج النفوذ وإدامته.
اقتصاد الجبايات
أثناء تتبع مسار الإيرادات ظهرت قضية أخرى لا تقل أهمية. فبحسب الاتهامات الواردة في الملف جرى فرض رسوم وجبايات متعددة على التجار والمستوردين وناقلي البضائع وعلى قطاعات الوقود والقات والأسمنت والسياحة والنقل، هذه الرسوم لا تظهر في كثير من الأحيان ضمن القوانين أو اللوائح المالية المعروفة للدولة. ويقول عدد من رجال الأعمال إن تعدد نقاط التحصيل والرسوم غير الرسمية أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية بشكل كبير. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من الانهيار تصبح أي زيادة في تكلفة النقل أو الوقود أو الاستيراد عبئاً إضافياً يتحمله المستهلك النهائي. وتكشف هذه الصورة عن وجود ما يشبه الاقتصاد الموازي الذي يعمل خارج المؤسسات المالية الرسمية ويعتمد على التحصيل المباشر من الأنشطة التجارية.
خريطة الأراضي الكبرى
ربما يكون ملف الأراضي والعقارات من أكثر الملفات حساسية داخل القضية. ففي عدن وحدها تتحدث المعطيات عن سلسلة من عمليات الاستحواذ والتوثيق والتسجيل شملت أراضي استراتيجية ذات قيمة اقتصادية عالية. ومن بين المواقع التي يثار حولها الجدل أراضٍ تابعة لهيئة موانئ عدن في جزيرة العمال وأراضٍ في بئر فضل ورأس عمران ومناطق مختلفة من محافظة لحج.
وتشير الاتهامات، إلى أن بعض عمليات التسجيل تمت بأسماء أقارب أو مقربين من دوائر النفوذ، ويقول مختصون في الشأن العقاري إن استخدام أسماء وسطاء أو أقارب في عمليات التملك يعد من أكثر الأساليب شيوعاً لإخفاء المالك الفعلي للأصول محل النزاع. وتكمن أهمية هذه الأراضي في أنها ليست مجرد مساحات عقارية عادية، بل أصول اقتصادية واستثمارية يمكن أن تحدد مستقبل التنمية في عدن لعقود مقبلة.
من يسيطر على الواجهة البحرية؟
أثناء مراجعة الأصول محل الجدل يبرز اسم منتجع خليج الفيل وعدد من المواقع الساحلية ذات القيمة السياحية المرتفعة. وتعتبر الواجهة البحرية لعدن واحدة من أهم الثروات الاقتصادية غير المستغلة في اليمن. والاتهامات هنا تشير إلى استغلال النفوذ للحصول على مزايا تتعلق بهذه المواقع أو الاستفادة منها بصورة غير متكافئة.
ويقول خبراء تخطيط حضري إن السيطرة على الأصول الساحلية تمثل أحد أكثر أشكال النفوذ الاقتصادي تأثيراً بسبب ارتفاع قيمتها الاستثمارية وإمكانات تطويرها مستقبلاً.
قطاع النفط
عندما يصل التحقيق إلى ملف النفط تتغير الصورة من قضية محلية إلى قضية تمس الاقتصاد اليمني بأكمله، فالمعطيات المطروحة تتحدث عن حصر عمليات التوريد والاستيراد عبر شركات مرتبطة بمقربين من دوائر النفوذ. ويعني ذلك عملياً التحكم في واحدة من أكثر السلع حساسية وتأثيراً على حياة المواطنين، فالوقود لا يؤثر على النقل فقط، بل على الكهرباء وأسعار الغذاء والمياه والخدمات كافة.
وبحسب الملف الذي رفع الى النائب العام، فإن هذا النمط من السيطرة أدى إلى تحقيق أرباح ضخمة لشبكات محددة، في حين تحمل المواطنون كلفة إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار.
شبكة الشركات
وعند تتبع مسار الأموال تظهر الصورة أكثر تعقيداً. فالملف يتحدث عن وجود شركات وواجهات تجارية في قطاعات الصرافة والتجارة والخدمات والأثاث وأنشطة أخرى يديرها أو يمتلكها أشخاص مقربون من من دائرة عيدروس الزبيدي.
ويقول مختصون في مكافحة الفساد إن أخطر أشكال الفساد هي تلك التي تتحول فيها السلطة إلى أداة إنتاج للثروة الخاصة. ففي هذه الحالة لا يعود الفساد حادثة منفردة، بل يصبح نظاماً متكاملاً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع القرار السياسي.
اختراق مؤسسات الدولة
لا يقتصر الحديث على المال والأراضي. فثمة اتهامات تتعلق بإعادة تشكيل المؤسسات العامة عبر إحلال شخصيات موالية سياسياً محل كفاءات إدارية ومهنية، وهذا النوع من الممارسات يترك آثاراً طويلة المدى على كفاءة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات، فالمؤسسة التي تقوم على الولاء بدلاً من الكفاءة تصبح أقل قدرة على التخطيط والإدارة والاستجابة لمتطلبات المواطنين.
الخدمات كورقة نفوذ
في بلد يعاني من انهيار الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، تصبح السيطرة على هذه القطاعات مصدر نفوذ سياسي بالغ الأهمية. وتشير الاتهامات إلى استخدام الملفات الخدمية ضمن معادلات الضغط السياسي والصراع على النفوذ، وهذا يعني انتقال الصراع من النخب السياسية إلى حياة المواطنين اليومية.
فالكهرباء والمياه والقضاء ليست أدوات تفاوض سياسي، بل حقوق أساسية يفترض أن تكون خارج دائرة التجاذبات. وما يميز هذه القضية عن غيرها هو أنها تضع ستكون تحت مجهر المساءلة القانونية، وهو ما يجعلها اختباراً حقيقياً لمستقبل مكافحة الفساد في اليمن. فإما أن تتحول إلى نقطة بداية لاستعادة مؤسسات الدولة وهيبتها، أو تبقى مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من الاتهامات المتبادلة والصراعات السياسية التي لم تصل إلى نهايات حاسمة.
إقرأ المزيد


