جريدة الرياض - 6/10/2026 2:49:28 AM - GMT (+3 )
تشهد الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري الأميركي تحولات عميقة تعكس حجم النفوذ الذي بات يمتلكه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل الحزب، خصوصاً في الكونغرس. فخسارة النائب الجمهوري توماس ماسي أمام المرشح المدعوم من ترمب، إد غالرين، لم تُقرأ في واشنطن باعتبارها مجرد منافسة انتخابية محلية، بل كرسالة سياسية مباشرة إلى الجمهوريين مفادها أن معارضة ترمب قد تُكلف أصحابها مستقبلهم السياسي.
ماسي كان يُنظر إليه باعتباره واحداً من الأصوات الجمهورية القليلة التي احتفظت بهامش استقلالية داخل الحزب، إذ لم يتردد في انتقاد ترمب في ملفات حساسة، من بينها الإنفاق الحكومي، والسياسة تجاه إيران، وبعض القضايا المرتبطة بالشفافية السياسية. غير أن الانتخابات التمهيدية الأخيرة تحولت إلى مواجهة مفتوحة بينه وبين ترمب، الذي سعى بشكل واضح إلى إسقاطه ودعم منافسه بصورة مباشرة.
ويرى مراقبون أن فوز غالرين يعكس استمرار عملية إعادة تشكيل الحزب الجمهوري وفق معايير الولاء السياسي، أكثر من الالتزام بالتيارات المحافظة التقليدية. فالرسالة التي التقطها كثير من أعضاء الكونغرس الجمهوريين هي أن مساحة الاعتراض داخل الحزب باتت أضيق، وأن الاصطفاف خلف ترمب أصبح شرطاً شبه إلزامي للبقاء السياسي.
هذه التطورات تعزز الانضباط داخل الكتلة الجمهورية في الكونغرس، لكنها في المقابل تقلص حضور التيارات الجمهورية التقليدية والليبرتارية التي كانت تتمتع سابقاً بقدر من الاستقلالية. كما تشير إلى انتقال الحزب الجمهوري تدريجياً من كونه حزباً محافظاً تقليدياً إلى حزب يتمحور بدرجة كبيرة حول شخصية ترمب وخطابه السياسي وقاعدة (MAGA) المؤيدة له.
ولا تبدو هذه الظاهرة معزولة أو مرتبطة بحالة ماسي فقط، بل تأتي ضمن مسار أوسع يقوده ترمب منذ سنوات لإعادة هندسة الحزب الجمهوري. ويعتمد هذا المسار على دعم مرشحين يدينون له بالولاء السياسي المباشر، والعمل على إضعاف أو إسقاط الشخصيات الجمهورية التي تبدي استقلالية أو انتقاداً لمواقفه.
وخلال الانتخابات التمهيدية الحالية برزت عدة نماذج تؤكد هذا الاتجاه. ففي ولاية لويزيانا، واجه السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي تراجعاً حاداً في مستقبله السياسي بعد أن ظل هدفاً دائماً لانتقادات ترمب بسبب تصويته السابق لإدانته في محاكمة العزل. أما في تكساس، فيواجه السيناتور المخضرم جون كورنين تحدياً غير مسبوق بعد دعم ترمب للمدعي العام المحافظ كين باكستون ضده، في إشارة واضحة إلى أن حتى القيادات الجمهورية التاريخية ليست بمنأى عن الاستهداف إذا تراجعت علاقتها بالرئيس ترمب.
وفي ولاية إنديانا، دعم ترمب مجموعة من المرشحين ضد أعضاء جمهوريين محليين عارضوا بعض مشاريعه السياسية، ونجح هؤلاء المرشحون في إقصاء عدد من النواب الحاليين، في واحدة من أبرز عمليات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية للحزب. كما شهدت ولاية جورجيا تقدماً لمرشحين مقربين من خط الرئيس ترمب، مقابل تراجع شخصيات جمهورية تقليدية أو منتقدة لترمب.
ومع ذلك، فإن نفوذ ترمب لا يبدو مطلقاً في جميع الولايات. ففي نورث كارولاينا، خسر السياسي الجمهوري المخضرم فيل بيرغر رغم حصوله على دعم ترمب، أمام منافس محلي استطاع الاستفادة من اعتبارات داخلية خاصة بالولاية. ويشير ذلك إلى أن تأثير ترمب، رغم قوته، ما زال يصطدم أحياناً بعوامل محلية أو بحالة إرهاق لدى بعض القواعد الجمهورية من الصراعات الداخلية المستمرة.
في المحصلة، تبدو الانتخابات التمهيدية لعام 2026 أقرب إلى استفتاء داخلي على الولاء لترمب داخل الحزب الجمهوري، أكثر من كونها منافسات سياسية محافظة بالمعنى التقليدي. فالحزب يشهد اليوم تحولات هيكلية عميقة قد تعيد رسم هويته السياسية لسنوات طويلة، وسط انقسام متزايد بين تيار يرى في ترمب زعيماً أعاد الحيوية للحزب، وآخر يخشى أن يؤدي ربط الحزب بشخص واحد إلى إضعافه مستقبلاً، خصوصاً في الولايات المتأرجحة والانتخابات العامة.
إقرأ المزيد


