الرئيس هادي.. ملحمة الشرعية.. واجه الانقلاب وحمى هوية اليمن
جريدة الرياض -

سياسي عُرف بالهدوء والاتزان والخبرة الطويلة في إدارة الملفات العسكرية والسياسية

في تاريخ اليمن الحديث تبرز أسماء كثيرة ارتبطت بالتحولات السياسية والحروب والصراعات، غير أن اسم الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي سيظل مرتبطًا بمرحلة استثنائية شكّلت واحدة من أخطر المحطات في تاريخ الدولة اليمنية والمنطقة العربية بأكملها. فالرجل لم يتسلّم السلطة في ظروف طبيعية، ولم يقُد دولة مستقرة أو مؤسسات متماسكة، بل وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وأمنية وإقليمية هائلة، كان عنوانها الأبرز انهيار الدولة وصعود المشروع الحوثي المدعوم من إيران، ومحاولة إنقاذ اليمن من السقوط الكامل.

لقد جاء عبد ربه منصور هادي إلى الحكم في لحظة كانت اليمن فيها على حافة الانهيار الشامل، فبعد أحداث عام 2011 وما رافقها من انقسامات حادة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية والأمنية، بدت الدولة اليمنية وكأنها تتفكك تدريجيًا أمام أعين الجميع، وكانت المخاوف الحقيقية آنذاك تتمثل في انزلاق البلاد إلى حرب أهلية مفتوحة قد تؤدي إلى تقسيم اليمن وتحويله إلى ساحة فوضى دائمة تهدد أمن الخليج والمنطقة بأسرها.

وفي تلك اللحظة الدقيقة، برز الدور التاريخي للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي عبر المبادرة الخليجية التي مثّلت طوق النجاة لليمنيين. فقد أدركت المملكة أن انهيار اليمن لن يكون خطرًا على اليمن وحده، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الخليجي والعربي، ولذلك قادت تحركًا سياسيًا واسعًا لتجنيب اليمن سيناريو الفوضى الكاملة.

ومن قلب تلك التسوية السياسية، جاء اختيار عبد ربه منصور هادي رئيسًا توافقيًا للمرحلة الانتقالية،. ولم يكن الاختيار عابرًا أو شكليًا، بل استند إلى شخصية سياسية عُرفت بالهدوء والاتزان والخبرة الطويلة في إدارة الملفات العسكرية والسياسية، إضافة إلى قدرته على التعامل مع مختلف القوى اليمنية دون نزعة انتقامية أو إقصائية.

الرئيس هادي والتحديات

منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة، بدا واضحًا أن هادي يدرك حجم التحدي الذي يواجهه. فقد كانت الدولة اليمنية منهكة، والجيش يعاني انقسامات خطيرة، والجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة تتمدد في أكثر من منطقة، فيما كانت الأوضاع الاقتصادية والخدمية تقترب من الانهيار. ورغم ذلك، اختار هادي أن يبدأ مشروع إعادة بناء الدولة عبر مسار سياسي شامل، إيمانًا منه بأن اليمن لا يمكن أن يُدار بالقوة وحدها، بل بالحوار والتوافق الوطني.

قاد الرئيس هادي مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية اليمنية في تجربة وُصفت آنذاك بأنها واحدة من أهم التجارب السياسية في العالم العربي، وكان هدف المؤتمر وضع أسس جديدة للدولة اليمنية الحديثة، تقوم على الشراكة الوطنية والعدالة والمواطنة المتساوية، وإنهاء عقود طويلة من الصراعات والانقسامات.

ولم يكن ذلك المشروع السياسي مجرد خطوة إجرائية، بل كان محاولة حقيقية لإنقاذ اليمن من ماضي الصراعات المزمنة، فقد أراد هادي بناء دولة تتسع للجميع، دولة تُدار عبر المؤسسات والقانون لا عبر السلاح والانقلابات. ولذلك حرص على منح جميع الأطراف السياسية مساحة للمشاركة والتعبير، مؤمنًا بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا بالتوافق الوطني.

غير أن تلك المرحلة الانتقالية كانت تواجه مشروعًا آخر يتحرك في الظل مستفيدًا من حالة الانقسام والفوضى، وهو المشروع الحوثي المدعوم من إيران. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تحاول إعادة بناء نفسها، كانت ميليشيا الحوثي تتوسع عسكريًا وتستثمر حالة الضعف داخل المؤسسات اليمنية، حتى تمكنت في سبتمبر 2014 من اجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مفاصل الدولة.

محاولة إسقاط الدولة اليمنية

هنا دخل اليمن أخطر منعطف في تاريخه الحديث، ووجد الرئيس هادي نفسه في مواجهة مشروع لا يستهدف السلطة فقط، بل يستهدف هوية اليمن العربية والجمهورية، فالانقلاب الحوثي لم يكن مجرد خلاف سياسي داخلي، بل كان محاولة لإسقاط الدولة اليمنية وتحويلها إلى منصة نفوذ إيرانية على حدود المملكة العربية السعودية والخليج العربي.

وفي تلك اللحظات الصعبة، كان بإمكان الرئيس هادي أن يختار السلامة الشخصية أو القبول بالأمر الواقع، لكنه اختار طريقًا آخر، فعندما وُضع تحت الإقامة الجبرية في صنعاء، لم يتخلَّ عن شرعيته ولم يعترف بالانقلاب، بل تمكّن من الخروج إلى عدن ليعلن من هناك أن الجمهورية اليمنية ما تزال قائمة، وأن الدولة لم تسقط رغم كل ما حدث.

لقد مثّلت تلك اللحظة نقطة تحول مفصلية في تاريخ اليمن، ففي وقت كان الحوثيون يعتقدون أنهم أحكموا السيطرة الكاملة على البلاد، خرج الرئيس هادي ليعيد إحياء فكرة الشرعية والجمهورية والمقاومة الوطنية، ومن عدن بدأت مرحلة جديدة عنوانها الدفاع عن الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها المختطفة.

ومع استمرار تقدم الحوثيين نحو الجنوب ووصولهم إلى مشارف عدن، أدرك الرئيس هادي أن الخطر تجاوز حدود اليمن الداخلية، وأن المشروع الحوثي بات يهدد أمن المنطقة بأسرها. ومن هنا جاء قراره التاريخي بطلب تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لحماية اليمن وشعبه واستعادة الشرعية.

ذلك القرار لم يكن قرار حرب بقدر ما كان قرار إنقاذ، فقد كانت الدولة اليمنية تتهاوى، والميليشيا الحوثية المدعومة من إيران تتوسع بسرعة، فيما كانت كل المبادرات السياسية قد وصلت إلى طريق مسدود. وفي ظل تلك الظروف، رأى الرئيس هادي أن التدخل العربي أصبح ضرورة لحماية اليمن من السقوط الكامل.

استجابت المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بسرعة وحزم، وأُطلقت عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015، لتبدأ واحدة من أهم المحطات في تاريخ المنطقة الحديث. وقد مثّل ذلك التدخل العربي رسالة واضحة بأن الخليج لن يسمح بتحويل اليمن إلى قاعدة تهدد أمنه واستقراره.

ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم الرئيس هادي بتحالف دعم الشرعية في اليمن، بوصفه الرئيس الشرعي الذي قاد المعركة السياسية لاستعادة الدولة، وحافظ على الغطاء القانوني والدستوري للتحالف العربي. كما لعب دورًا محوريًا في توحيد الموقف العربي والدولي تجاه القضية اليمنية، مؤكدًا أن معركة اليمن ليست معركة سلطة، بل معركة دفاع عن الدولة والجمهورية والهوية العربية.

المصير المشترك في مواجهة التحديات

لقد أدركت المملكة العربية السعودية مبكرًا خطورة المشروع الحوثي، ولذلك لم يكن دعمها للرئيس هادي دعمًا لشخص أو حكومة فحسب، بل دعمًا لليمن العربي ولأمن المنطقة بأسرها. ومن هنا نشأت علاقة استراتيجية عميقة بين الشرعية اليمنية بقيادة هادي وبين المملكة، قائمة على المصير المشترك ومواجهة التحديات الإقليمية.

وخلال سنوات الحرب، ظل الرئيس هادي متمسكًا بثوابته الوطنية، فلم يقبل بأي تسوية تنتقص من شرعية الدولة أو تمنح الانقلاب غطاءً دائمًا، كما حافظ على الخطاب السياسي المرتبط بوحدة اليمن والجمهورية، ورفض مشاريع التقسيم أو الهيمنة الخارجية.

ورغم حجم الضغوط الهائلة التي واجهتها اليمن، حافظ الرئيس هادي على الاعتراف الدولي بالشرعية اليمنية، وهو إنجاز سياسي بالغ الأهمية. فبفضل تحركاته السياسية والدبلوماسية، بقيت الحكومة اليمنية معترفًا بها دوليًا، فيما استمرت القرارات الدولية تؤكد دعم الشرعية ورفض الانقلاب الحوثي.

وفي الوقت نفسه، عمل الرئيس هادي على تعزيز الشراكة مع التحالف العربي ودول الخليج، مؤمنًا بأن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة. كما كان حريصًا على التأكيد أن المملكة العربية السعودية وقفت إلى جانب اليمن في أصعب لحظاته، وقدمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا كبيرًا للشعب اليمني.

ولم يقتصر دور المملكة على الجانب العسكري فقط، بل شمل أيضًا دعم الاقتصاد اليمني والإغاثة الإنسانية والمشاريع التنموية. فقد أدركت الرياض أن حماية اليمن لا تكون بالسلاح وحده، بل أيضًا بدعم الشعب اليمني والحفاظ على مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.

أما الرئيس هادي، فقد ظل طوال تلك السنوات رمزًا للصمود السياسي والتمسك بالشرعية، فرغم محاولات إسقاط الدولة وتشظي المشهد اليمني، بقي متمسكًا بمسؤوليته الوطنية، مؤمنًا بأن اليمن سيعود يومًا دولة مستقرة موحدة مهما طال الصراع.

وفي خضم تلك التحديات، ظهرت شخصية هادي كرجل دولة يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية. فلم يكن يبحث عن الأضواء أو الخطابات الشعبوية، بل كان يتحرك بعقلية سياسية هادئة تدرك خطورة المرحلة وتعقيداتها. وقد انعكس ذلك في طريقة تعامله مع مختلف القوى اليمنية والإقليمية والدولية، حيث حافظ على خطاب متزن يركز على الدولة والمؤسسات والشرعية.

توسيع قاعدة الشراكة الوطنية

ومع استمرار الحرب وتعقّد المشهد اليمني، بدأت تتشكل قناعة بضرورة توسيع قاعدة الشراكة الوطنية داخل معسكر الشرعية، بما يضمن توحيد الجهود السياسية والعسكرية في مواجهة الحوثيين. وفي هذا السياق جاءت مشاورات الرياض عام 2022 التي رعتها المملكة العربية السعودية وجمعت مختلف القوى اليمنية المناهضة للانقلاب.

وفي لحظة تاريخية عكست حجم مسؤوليته الوطنية، أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي، في خطوة مثّلت نموذجًا نادرًا في العالم العربي لرئيس يسلّم السلطة طوعًا من أجل مصلحة بلاده.

لم يكن ذلك القرار انسحابًا من المشهد أو تراجعًا عن المسؤولية، بل كان تعبيرًا عن قناعة عميقة بأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى قيادة جماعية وشراكة أوسع لمواجهة التحديات المتراكمة. وقد استند القرار إلى المرجعيات الدستورية والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، ما أكد حرص الرئيس هادي على احترام المؤسسات والدستور والتداول السلمي للسلطة.

أسمى معاني المسؤولية الوطنية

كما حمل قرار إنشاء مجلس القيادة الرئاسي رسائل سياسية مهمة، أبرزها أن الشرعية اليمنية قادرة على إعادة تنظيم نفسها بصورة مؤسساتية، وأن معركتها الأساسية ليست معركة أشخاص أو مناصب، بل معركة استعادة الدولة وحماية اليمن.

لقد أظهر الرئيس هادي في تلك اللحظة أسمى معاني المسؤولية الوطنية، عندما قدّم مصلحة اليمن على أي اعتبار شخصي، مؤمنًا بأن الأوطان تبقى بينما المناصب زائلة. وهي خطوة عززت صورته كرجل دولة تعامل مع السلطة باعتبارها مسؤولية وطنية لا مكسبًا شخصيًا.

وسيظل التاريخ اليمني الحديث يتوقف طويلًا أمام تجربة عبد ربه منصور هادي، ليس فقط لأنه قاد اليمن في أخطر مراحله، بل لأنه حافظ على شرعية الدولة في زمن الانهيار، وتمسك بالجمهورية في مواجهة مشروع الميليشيا، ووقف إلى جانب الهوية العربية لليمن في مواجهة التمدد الإيراني.

لقد كان الرئيس هادي عنوانًا لمرحلة صعبة ومليئة بالتحديات، لكنه ظل خلالها ثابتًا على مواقفه الوطنية والعربية، مدافعًا عن اليمن وشرعيته ووحدته. كما سيظل اسمه مرتبطًا بتحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي مثّل سدًا عربيًا في مواجهة المشروع الحوثي وأعاد الأمل بإمكانية استعادة الدولة اليمنية.

استمرار الجمهورية الواحدة

ومن بين كل المحطات التي مر بها اليمن خلال العقد الأخير، ستبقى لحظة خروج هادي من صنعاء وإعلانه من عدن استمرار الجمهورية واحدة من أكثر اللحظات رمزية وتأثيرًا في الوعي اليمني والعربي، لأنها جسدت معنى التمسك بالدولة في وجه الانقلاب، ومعنى الإيمان بأن الأوطان لا تُسلَّم مهما كانت الظروف.

كما سيبقى قراره بنقل السلطة عام 2022 شاهدًا على إدراكه العميق لمعنى الدولة والمؤسسات، وعلى قناعته بأن اليمن يستحق فرصة جديدة للاستقرار والشراكة الوطنية، بعيدًا عن الصراعات الشخصية أو الحسابات الضيقة.

لقد خاض عبد ربه منصور هادي معركة سياسية ووطنية معقدة امتدت لسنوات طويلة، لكنه بقي خلالها متمسكًا بخيار الدولة والجمهورية والعروبة. وفي زمن كثرت فيه الانقلابات والفوضى، قدّم نموذجًا لرجل الدولة الذي واجه التحديات بصبر وحكمة وإيمان عميق بوطنه.

وبين لحظة تسلمه السلطة في 2012 ولحظة نقله الصلاحيات في 2022، ظل حاضرًا في قلب المعركة اليمنية، حاملاً مشروع الشرعية والدولة، ومؤمنًا بأن اليمن مهما مرّ بالعواصف سيعود يومًا وطنًا عربيًا مستقرًا موحدًا، قائمًا على المؤسسات والشراكة الوطنية وسيادة القانون.

المملكة الداعم الرئيس للشرعية اليمنية
الرئيس هادي رحمه الله رفض تسليم اليمن للمليشيات


إقرأ المزيد