جريدة الرياض - 5/22/2026 2:18:32 AM - GMT (+3 )
لم تكن جائحة كورونا مجرد أزمة صحية عابرة بالنسبة لولاية كاليفورنيا الأمريكية، بل شكلت نقطة تحول عميقة أعادت رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للولاية الأكثر تأثيراً في الاقتصاد الأمريكي. وبينما عانت مدينتا لوس أنجلويس وسان فرانسيسكو خلال سنوات الجائحة من أزمات متشابهة تمثلت في ارتفاع معدلات الجريمة وتراجع جودة الحياة وارتفاع أسعار السكن وهجرة السكان إلى ولايات أقل تكلفة، بدأت المؤشرات الحالية تكشف عن مسارين مختلفين تماماً بين المدينتين بعد انقضاء المرحلة الأصعب من الأزمة.
ففي الوقت الذي بدأت فيه سان فرانسيسكو تستعيد حيويتها الاقتصادية مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي والاستثمارات التقنية الجديدة، لا تزال لوس أنجلوس تواجه سلسلة من التحديات الاقتصادية والديموغرافية المعقدة، بدءاً من انكماش قطاع الترفيه وهوليوود، وصولاً إلى آثار سياسات الهجرة والتباطؤ الاقتصادي وارتفاع البطالة واتساع المساحات المكتبية الشاغرة.
ويعكس هذا التباين تحولاً أعمق داخل كاليفورنيا نفسها، حيث باتت الولاية تشهد انقساماً اقتصادياً بين شمال تقوده التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وجنوب يواجه صعوبات في إعادة بناء نموذج اقتصادي ظل لعقود يعتمد على الترفيه والإنتاج الإعلامي والعقارات والخدمات التقليدية.
وخلال السنوات الأولى للجائحة بدت صورة المدينتين متشابهة إلى حد كبير. فقد تراجعت الحركة التجارية بشكل حاد، وأغلقت آلاف الشركات أبوابها، كما تحولت الشوارع التجارية ومراكز الأعمال إلى مناطق شبه خالية مع انتشار العمل عن بعد. وارتفعت المخاوف في المدينتين بشأن مستقبل المراكز الحضرية الكبرى في الولايات المتحدة، خاصة مع انتقال عشرات الآلاف من السكان إلى ولايات مثل تكساس وفلوريدا ونيفادا بحثاً عن تكاليف معيشة أقل وضرائب أخف وفرص سكن أفضل.
التعافي التدريجي
لكن مع بدء الاقتصاد الأمريكي في التعافي التدريجي، بدأت الفوارق تظهر بصورة متزايدة. فسان فرانسيسكو التي تعرضت خلال الجائحة لانتقادات حادة بسبب ارتفاع معدلات الجريمة وتفشي ظاهرة المشردين وإغلاق المتاجر الكبرى، وجدت نفسها فجأة في قلب الثورة الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأصبحت المدينة خلال العامين الأخيرين مقصداً لشركات التكنولوجيا الناشئة والمستثمرين ورواد الأعمال المرتبطين بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الأمر الذي أعاد تنشيط قطاع العقارات والمكاتب والاستثمارات.
ويعود جزء كبير من هذا الانتعاش إلى تمركز شركات التكنولوجيا الكبرى في منطقة خليج سان فرانسيسكو ووادي السيليكون، حيث تمتلك المدينة بنية تحتية تقنية ورأسمالاً بشرياً يصعب تكراره في أي منطقة أخرى داخل الولايات المتحدة. فمع ظهور موجة الذكاء الاصطناعي الجديدة، عادت شركات الاستثمار المغامر لضخ مليارات الدولارات في الشركات الناشئة، كما بدأت مكاتب الشركات التقنية تمتلئ مجدداً بالموظفين بعد سنوات من العمل عن بعد.
هذا التحول لم يكن اقتصادياً فقط، بل انعكس أيضاً على المؤشرات السكانية. فبعد سنوات من النزيف السكاني، أظهرت بيانات التعداد السكاني الأمريكي ارتفاعاً طفيفاً في عدد سكان سان فرانسيسكو خلال عام 2025، وهو تطور رمزي لكنه يحمل دلالات مهمة بشأن قدرة المدينة على استعادة جاذبيتها.
وفي المقابل، تبدو الصورة في لوس أنجلوس أكثر تعقيداً. فالمدينة التي لطالما شكلت عاصمة صناعة الترفيه العالمية تواجه اليوم تغيرات هيكلية تهدد أحد أهم أعمدة اقتصادها التقليدي. إذ لم تعد هوليوود تحتفظ بالمكانة نفسها التي كانت تتمتع بها قبل سنوات، مع انتقال جزء متزايد من عمليات التصوير والإنتاج إلى ولايات ودول أخرى تقدم حوافز ضريبية أقل تكلفة.
كما تعرضت الصناعة لضربات متلاحقة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من تداعيات الجائحة، مروراً بإضرابات الكتاب والممثلين، وصولاً إلى التحولات الكبرى في منصات البث الرقمي وتغير أنماط المشاهدة العالمية. ونتيجة لذلك فقدت المنطقة عشرات الآلاف من الوظائف المرتبطة بصناعة الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي.
ولم تتوقف الضغوط عند قطاع الترفيه فقط، بل امتدت إلى قطاعات أخرى تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة والتجارة والخدمات. فقد ساهم تشديد سياسات الهجرة الأمريكية خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تراجع أعداد المهاجرين الوافدين إلى مقاطعة لوس أنجلوس، وهو ما أثر على النمو السكاني وعلى توفر العمالة في بعض القطاعات الحيوية.
انخفاض الهجرة
وتشير البيانات إلى أن صافي الهجرة الدولية إلى المقاطعة انخفض بشكل حاد خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، ما أدى إلى تباطؤ النمو وزيادة الضغوط على سوق العمل والاستهلاك المحلي. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في مدينة تشكل الهجرة أحد أعمدة تكوينها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ويؤكد خبراء السكان أن الهجرة ظلت لعقود عاملاً رئيسياً في نمو كاليفورنيا، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن دفع أعدادًا متزايدة من الشباب والعائلات إلى مغادرة الولاية نحو مناطق أقل تكلفة. ولم تعد المشكلة مرتبطة فقط بفرص العمل، بل باتت تتعلق أيضاً بإمكانية شراء منزل أو تحمل الإيجارات المرتفعة في مدن كاليفورنيا الكبرى.
وفي هذا السياق، يبرز ملف السكن باعتباره أحد أهم التحديات التي تهدد مستقبل الولاية بأكملها. فكاليفورنيا تعد من أكثر الولايات الأمريكية ارتفاعاً في أسعار العقارات والإيجارات، الأمر الذي جعل حتى أصحاب الدخول المرتفعة يواجهون صعوبات متزايدة في الاستقرار داخل المدن الكبرى.
ورغم أن سان فرانسيسكو تمكنت مؤقتاً من الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن العديد من الخبراء يحذرون من أن هذا الانتعاش قد لا يكون كافياً لمعالجة الأزمات الهيكلية الأعمق، وعلى رأسها أزمة السكن وعدم المساواة الاجتماعية وارتفاع تكاليف الحياة. فالتكنولوجيا وحدها لا تضمن استقراراً طويل الأمد إذا استمرت المدن في فقدان الطبقة الوسطى والشباب.
ومن اللافت أن التحولات الحالية تعكس أيضاً تغيراً في طبيعة الاقتصاد الأمريكي نفسه. فخلال العقود الماضية، كانت المدن الكبرى تعتمد على التنوع الاقتصادي وقطاعات الخدمات التقليدية، أما اليوم فإن القدرة على جذب شركات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد المدن الرابحة والخاسرة في المنافسة الاقتصادية الجديدة.
ولهذا السبب تحديداً تبدو سان فرانسيسكو أكثر قدرة على التعافي مقارنة بلوس أنجلوس. فالشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تجلب فقط الوظائف والاستثمارات، بل تعيد تنشيط قطاعات كاملة مثل العقارات والمطاعم والنقل والخدمات المالية، كما ترفع الطلب على العمالة عالية المهار
وفي المقابل، تواجه لوس أنجلوس صعوبة أكبر في إيجاد محرك اقتصادي بديل قادر على تعويض تراجع بعض القطاعات التقليدية. كما أن حجم المدينة واتساعها الجغرافي وتعقيداتها الاجتماعية تجعل عملية التعافي أبطأ وأكثر تكلفة.
ويظهر هذا التباين بوضوح في سوق العقارات التجارية. فبينما بدأت معدلات تأجير المكاتب ترتفع في سان فرانسيسكو للمرة الأولى منذ سنوات، لا تزال لوس أنجليوس تعاني من نسب مرتفعة جدًا في المكاتب الشاغرة، خاصة في وسط المدينة الذي تأثر بشدة بعد انتشار العمل عن بعد.
وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع قيمة بعض المباني التجارية وازدياد الضغوط على المستثمرين وشركات العقارات، في وقت تحاول فيه السلطات المحلية إيجاد حلول لإعادة إحياء المناطق التجارية وتحويل بعض المباني إلى مشاريع سكنية أو متعددة الاستخدامات.
كما ساهمت الكوارث الطبيعية الأخيرة، بما في ذلك الحرائق التي ضربت أجزاء من جنوب كاليفورنيا، في زيادة الأعباء الاقتصادية على لوس أنجلوس، حيث تكبدت المنطقة خسائر مالية كبيرة أثرت على الناتج المحلي وعلى قطاعات التأمين والعقارات والبنية التحتية.
تراجع جودة الحياة
ومن الناحية السياسية، أصبحت هذه التحولات جزءاً أساسياً من النقاش الأمريكي الداخلي بشأن مستقبل المدن الكبرى. فالجمهوريون استخدموا مشاهد الجريمة والتشرد وتراجع جودة الحياة في مدن كاليفورنيا كدليل على فشل السياسات الليبرالية، بينما يرى الديمقراطيون أن جذور الأزمة ترتبط بعدم المساواة الاقتصادية وأزمة السكن وتداعيات الجائحة.وتحولت سان فرانسيسكو تحديداً إلى رمز في الخطاب السياسي الأمريكي. فبالنسبة لمنتقدي الحزب الديمقراطي، أصبحت المدينة مثالاً على الفوضى الحضرية وارتفاع معدلات الجريمة والمخدرات والتشرد. أما بالنسبة لمؤيديها، فهي لا تزال تمثل مركز الابتكار الأمريكي العالمي القادر على تجديد نفسه باستمرار رغم الأزمات.
وفي الحقيقة، تحمل المدينتان صورتين متناقضتين للحلم الأمريكي المعاصر. فسان فرانسيسكو تمثل اقتصاد المستقبل القائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ورأس المال المعرفي، لكنها في الوقت نفسه تعاني من فجوات اجتماعية حادة وتكاليف معيشة باهظة. أما لوس أنجلوس فتمثل الاقتصاد الإبداعي والترفيهي والثقافي، لكنها تواجه تحديات إعادة الهيكلة في عصر التحول الرقمي.
ويعتقد محللون اقتصاديون أن ما يحدث في كاليفورنيا قد يشكل نموذجاً مصغراً للتحولات التي ستشهدها الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة. فالثورة التقنية الجديدة ستعيد توزيع الوظائف والاستثمارات والسكان بين المدن، كما ستفرض ضغوطاً هائلة على الحكومات المحلية لمعالجة قضايا الإسكان والبنية التحتية والهجرة والتعليم.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مهم يتعلق بمدى قدرة المدن الأمريكية التقليدية على التكيف مع الاقتصاد الجديد. فليست كل مدينة قادرة على التحول إلى مركز للذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المتقدمة، كما أن المنافسة أصبحت عالمية وليست محلية فقط.
وتواجه كاليفورنيا أيضاً تحدياً إضافياً يتمثل في منافسة ولايات أمريكية أخرى نجحت في استقطاب الشركات والسكان بفضل الضرائب المنخفضة وتكاليف المعيشة الأقل. فقد استفادت مدن مثل أوستن وميامي وفينيكس من موجة الهجرة الداخلية التي خرجت من كاليفورنيا خلال السنوات الماضية، وهو ما يفرض على الولاية إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والتنظيمية. ورغم كل ذلك، لا تزال كاليفورنيا تحتفظ بمكانة استثنائية داخل الاقتصاد الأمريكي والعالمي. فالولاية تعد خامس أكبر اقتصاد في العالم إذا ما قورنت بالدول، كما تضم أكبر تجمع لشركات التكنولوجيا ورأس المال الاستثماري وصناعة الترفيه والجامعات البحثية المتقدمة. لكن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق فقط بحجم الاقتصاد، بل بقدرة المدن على الحفاظ على سكانها وطبقتها الوسطى وجودة الحياة فيها. فالنمو الاقتصادي وحده لا يكفي إذا تحول السكن إلى حلم بعيد المنال بالنسبة لغالبية السكان. ومن هنا، تبدو تجربة سان فرانسيسكو الحالية بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنقاذ المدن الأمريكية المتعثرة. فإذا نجحت المدينة في تحويل الطفرة التقنية إلى انتعاش اقتصادي واجتماعي مستدام، فقد تصبح نموذجًا لمرحلة أمريكية جديدة تقودها التكنولوجيا المتقدمة. أما إذا بقي النمو محصوراً في النخب التقنية والاستثمارية دون معالجة الأزمات الاجتماعية، فقد تعود المدينة مجددًا إلى دوامة التراجع.
أما لوس أنجلوس، فهي تواجه لحظة مراجعة إستراتيجية لمستقبلها الاقتصادي. فالاعتماد التقليدي على هوليوود والعقارات والخدمات لم يعد كافياً لضمان النمو في عالم يتغير بسرعة. ولذلك تحاول المدينة تنويع اقتصادها عبر الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة والبنية التحتية والنقل، إلا أن نتائج هذه التحولات تحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر.
وتعكس قصة لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو حقيقة أوسع بشأن المدن الأمريكية بعد جائحة كورونا. فالأزمة لم تغير فقط أنماط العمل والهجرة، بل أعادت تعريف مفهوم المدينة الناجحة في القرن الحادي والعشرين. واليوم لم تعد القوة تقاس فقط بعدد السكان أو حجم الأبراج أو شهرة القطاعات التقليدية، بل بقدرة المدن على جذب المواهب والاستثمارات والتكنولوجيا مع الحفاظ في الوقت ذاته على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.وبينما تبدو سان فرانسيسكو في موقع متقدم ضمن سباق الاقتصاد الرقمي الجديد، لا تزال لوس أنجلوس تبحث عن طريقها وسط عالم أمريكي يتغير بسرعة غير مسبوقة.
إقرأ المزيد


