جريدة الرياض - 5/19/2026 2:02:56 AM - GMT (+3 )
مقترح إيراني مُعدل لإنهاء الحرب نقلته باكستان
وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحد تحذيرا جديدا شديد اللهجة لإيران من أجل التحرك بسرعة نحو إبرام اتفاق وإلا "لن يبقى منها شيء". وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران في 28 فبراير، امتدت لحين التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار في الثامن من أبريل. الا أن الجهود التي تقودها باكستان لإنهاء النزاع الذي هزّ الشرق الأوسط وأدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، تسودها المراوحة منذ فشل جولة مباحثات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد الشهر الماضي، في الوصول الى تسوية. وقال الرئيس ترمب إن إيران "تتوق إلى التوقيع" على اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. وأضاف في تعليقات لمجلة (فورتشن) نشرت الاثنين "يتفقون، ثم يرسلون إليك ورقة لا تمت بصلة إلى الاتفاق الذي توصلت له". وقال ترمب، الأحد على منصته الاجتماعية تروث سوشال "بالنسبة لإيران، الوقت ينفد، ومن الأفضل لهم أن يتحركوا بسرعة، وإلا فلن يتبقى منهم شيء". وأضاف "الوقت ثمين!".
وقال مصدر باكستاني الاثنين إن إسلام اباد أرسلت مقترحا إيرانيا مُعدلا لإنهاء الحرب إلى الولايات المتحدة ليل الأحد، في وقت بدا فيه أن المحادثات بين الجانبين لا تزال متعثرة. وأضاف لدى سؤاله عما إذا كانت الخلافات بين الجانبين ستستغرق وقتا لرأبها "ليس لدينا الكثير من الوقت"، مشيرا إلى أن البلدين "يواصلان تغيير شروطهما".
ورغم الجمود في المباحثات، واصلت باكستان ودول إقليمية بذل جهود دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصا عبر تبادل مقترحات للحل وردود عليها. وذكرت وسائل إعلام إيرانية الأحد أن الولايات المتحدة لم تقدم "أي تنازلات ملموسة" في ردها على مقترحات طهران.
وقالت وكالة فارس إن الولايات المتحدة طرحت خمس نقاط تطالب فيها خصوصا بأن تحتفظ إيران فقط بمنشأة نووية واحدة وبأن تنقل مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب الى واشنطن.
وأشارت فارس إلى أن واشنطن رفضت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدّة في الخارج "حتى بنسبة 25 بالمئة" أو دفع أي تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب.
في الوقت نفسه، قالت وكالة أنباء مهر إن "الولايات المتحدة، التي لا تقدم أي تنازلات ملموسة، تريد الحصول على تنازلات فشلت في الحصول عليها خلال الحرب، الأمر الذي سيؤدي إلى طريق مسدود في المفاوضات".
ولا تزال المطالب الأميركية والإيرانية متباعدة بعد مرور أكثر من خمسة أسابيع على دخول وقف هش لإطلاق النار حيز التنفيذ في الصراع ورغم الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب ومعاودة فتح المضيق، وهو أهم طريق لشحن النفط والغاز في العالم.
وتطالب واشنطن طهران بتفكيك برنامجها النووي ورفع سيطرتها على المضيق. في المقابل، تطالب إيران بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب وإنهاء الحصار الأميركي المفروض على موانئها ووقف القتال على جميع الجبهات، ومنها لبنان، حيث تخوض إسرائيل حربا ضد جماعة حزب الله المدعومة من إيران. وذكر موقع أكسيوس أنه من المتوقع أن يجتمع الرئيس ترمب مع كبار مستشاري الأمن القومي الأميركي الثلاثاء لبحث خيارات العمل العسكري تجاه إيران.
وقال أبو الفضل شكارجي، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الإيرانية، الأحد إنه إذا نفذ ترمب تهديداته، فإن الولايات المتحدة "ستواجه سيناريوهات جديدة وعدوانية ومفاجئة، وستغرق في مستنقع من صنع أيديها". وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الولايات المتحدة وإسرائيل حاولتا تحميل إيران مسؤولية زعزعة استقرار أسواق الطاقة بعد "عدوانهما العسكري غير المبرر ضدها".
إلى ذلك، يظهر تحليل أجرته رويترز أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران كبدت شركات في أنحاء العالم ما لا يقل عن 25 مليار دولار وهو مبلغ آخذ في التزايد. وتقدم مراجعة للبيانات التي صدرت منذ اندلاع الحرب من شركات مدرجة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، نظرة واقعية على تداعياتها، إذ تعاني الشركات من ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل التوريد، وانقطاع مسارات للتجارة نتيجة لسيطرة إيران على مضيق هرمز. وأظهر التحليل أن ما لا يقل عن 279 شركة أشارت إلى الحرب من بين أسباب دفعت لاتخاذ إجراءات للتخفيف من الأثر المالي، بما في ذلك رفع الأسعار وخفض الإنتاج. وعلقت شركات أخرى توزيعات الأرباح النقدية أو عمليات إعادة شراء الأسهم، وسرحت بعض الموظفين وفرضت رسوما إضافية على الوقود أو طلبت مساعدات طارئة من الحكومات.
وتؤدي هذه الاضطرابات، وهي الأحدث في سلسلة من الأحداث العالمية المربكة للشركات بعد جائحة كوفيد-19 وغزو روسيا لأوكرانيا، إلى خفض التوقعات لبقية العام، مع عدم وجود أي مؤشرات تذكر على قرب التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
يثير مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية والدولية، وما إذا كانت تمتلك فعلا كل أدوات التأثير فيه أم أن ميزان القوى أكثر تعقيدا مما يبدو. هذا ما حاول بول سوندرز، الخبير الأميركي في السياسة الخارجية وأمن الطاقة والعلاقات الدولية، ورئيس مركز ناشونال انتريست وناشر مجلة "ناشونال إنتريست"، الإجابة عليه في تقرير نشرته المجلة.
ويقول سوندرز إنه في أعقاب تقارير تفيد بأن الصين تخطط لإرسال شحنات أسلحة سرية إلى إيران، يدّعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه حصل على التزام من نظيره الصيني شي جين بينغ بالامتناع عن تسليح "عدو أميركا في وقت الحرب". وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة وإيران تطبيق وقف إطلاق نار "يفتقر للجدية" إلى جانب محادثات تفتقر للجدية أيضا. ويرى القادة من كل جانب أن عامل الوقت المتسارع هو حليف قوي، ويأملون أن تتزايد أوراق الضغط لديهم مع تآكل الإرادة السياسية لدى خصومهم تحت ضغط اقتصادي.
ولا يملك ترمب عددا من "الأوراق" كما كان يأمل لإجبار القادة الإيرانيين، أياً كانوا، على قبول شروطه لإنهاء الحرب، وإغلاق إيران لمضيق هرمز، وإنهاء الولايات المتحدة للحصار البحري على إيران. لكن في المقابل، لا يملك القادة الإيرانيون جميع الأوراق أيضا. والأهم من ذلك أن لعب الأوراق أكثر تعقيدا من مجرد امتلاكها. ويفهم ترمب، على الأرجح ذلك. لكن هل يفهمه نظراؤه الإيرانيون؟
لا يمكنك أن تمتلك أوراقك وتلعب بها في الوقت نفسه
يقول سوندرز إن الشيء المتعلق بلعب الأوراق هو أنه بمجرد أن تلعب ورقة، فإنك لم تعد تملكها. وقد تعلّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الدرس بتكلفة باهظة على روسيا، أثناء محاولته استخدام صادرات بلاده الضخمة من الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا كأداة ضغط سياسي بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022. فقبل أن تقطع روسيا إلى حد كبير إمدادات الغاز عبر الأنابيب في وقت لاحق من ذلك العام، كان لدى بوتين نفوذ كبير على أوروبا. وبعد أن فعل ذلك، تكيف القادة الأوروبيون مع الواقع الجديد، وتلاشى جزء كبير من نفوذ بوتين. كان ذلك التحرك الروسي مؤلما لأوروبا، لكنه أجبرها على إنشاء نظام طاقة جديد، وهي تفعل ذلك حاليا. كما خسرت روسيا أكبر وأكثر أسواقها ربحية للغاز الطبيعي، ولم تتمكن من تعويض حجم الخسائر أو العثور على عملاء آخرين يدفعون نفس الأسعار. ورغم أن الأوروبيين يدفعون أسعارا أعلى للطاقة، فإنهم يواصلون التكيف دون الغاز الروسي، ومن غير المرجح أن يعودوا لشراء نفس الكميات التي كانوا يشترونها في عام 2021. وخسر بعض القادة الأوروبيين مناصبهم، لكن أوروبا تواصل تسليح وتمويل أوكرانيا بعد أربع سنوات.
ويقول سوندرز إنه من هذا المنظور، سيكون من المفيد لقادة إيران، وكثير منهم يؤكدون براعتهم في "شطرنج" الدبلوماسية الدولية، إعادة التفكير في لعب الورق.
ويضيف سوندرز أن النفط والغاز سلعتان مختلفتان، وأسواقهما تعمل بطرق مختلفة. فالنفط أسهل بكثير من الغاز (وخاصة الغاز عبر الأنابيب) في نقله إلى أسواق متعددة، رغم أن خصائصه ومتطلبات المصافي المصممة له تفرض بعض القيود. والأهم أن نظام الطاقة العالمي قادر على التكيف مع فقدان صادرات النفط عبر مضيق هرمز، لكنه لم يتكيف بعد مع ذلك. وهذا تمييز مهم.
وقد ناقش كثيرون بالفعل ما قد يحدث في الأسواق الأميركية والعالمية عندما تصبح آليات "التكيف المؤقت"، مثل استخدام الاحتياطيات التشغيلية في المصافي وإطلاق المخزونات الاستراتيجية لسد فجوة الإمدادات النفطية، غير مستدامة. وبينما تختلف التقديرات، إلا أن الجميع يتفق على أن أسعار النفط سترتفع بشكل حاد، وأن المنتجات النفطية ستصبح غير متاحة لبعض الاستخدامات الحالية. وسيؤثر ذلك على إمدادات البنزين والديزل ووقود الطيران، وكذلك على مدخلات تصنيع البلاستيك وأشباه الموصلات وغيرها من المنتجات الأساسية.
ويبدو أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن خوف ترمب من هذا السيناريو وتداعياته السياسية الداخلية المحتملة سيدفعه نحو التسوية التي يريدونها. وإذا استخدموا هذه الورقة، أي إذا تسببوا في أزمة نفط عالمية تفرض تكاليف مرتفعة بما يكفي لإجبار العالم ليس فقط على التكيف بل على إعادة التكيّف، فإن إيران ستفقد نفوذها كما فقدته موسكو. إنها مقامرة هائلة.
أزمة نفط طويلة قد تكون كارثية على إيران
ويقول سوندرز إن الأسوأ بالنسبة لطهران أن استخدام هذه الورقة في مجال الطاقة قد يؤدي إلى نتائج سياسية داخل الولايات المتحدة مشابهة لتلك التي أحدثتها أفعال روسيا في أوروبا، بما يتمثل في تصلب المواقف وتزايد الإصرار على الحسم بدلا من التفاوض. والاختلاف هنا أن الولايات المتحدة لديها رئيس واحد، وليس 27 رئيسا ووزيرا، وأنها في حالة حرب بالفعل وليست مجرد متفرج، وأن الأميركيين الذين يرون الحرب الآن اختيارية قد يعتبرونها ضرورية إذا استمر التعنت الإيراني، وأن القدرات العسكرية الأميركية تفوق بكثير مجمل القدرات العسكرية الأوروبية (بينما تعد إيران خصما أقل قوة من روسيا).
ولا ينبغي لأحد أن يرغب في تجاوز العتبة التي تؤدي إلى أزمة نفط عالمية حقيقية. فمثل هذه الأزمة ستكون مكلفة لأميركا وللعالم، لكنها ستكون أسوأ بكثير على إيران وقيادتها وشعبها مقارنة بأي طرف آخر. وبغض النظر عن الوضع الاقتصادي الصعب أصلا في إيران، وإذا كان رئيس الولايات المتحدة أقل تقييدا سياسيا مما هو عليه اليوم، وهو وضع قد يحدث إذا أدت أزمة نفط كبرى إلى مطالبته بـ"فعل شيء ما"، فإن الولايات المتحدة ستتمتع بقدرة تصعيد مهيمنة في كل خطوة على السلم التصعيدي. وقد تصبح بعض تهديدات ترمب غير المنفذة أكثر واقعية، وقد يجد دعما دوليا جديدا لاتخاذ إجراءات حاسمة.
والخلاصة أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة هو "ورقة ضغط"، لكنه ليس خطوة حاسمة تنهي اللعبة. وهذا لا يعني أن مسؤولي الإدارة الأميركية يمكنهم الحصول على كل ما يريدونه من طهران، فإذا نجحوا في التفاوض، فإن النتيجة ستكون بالضرورة تسوية. لكنه يعني أن قادة إيران قد يواجهون مخاطر جسيمة إذا فشلوا في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل أن يتسببوا في أضرار طويلة الأمد للاقتصادين الأميركي والعالمي.
إقرأ المزيد


