جريدة الرياض - 2/24/2026 3:16:45 AM - GMT (+3 )
السعودية تتحرك الآن كدولة كبرى وقائدة للمنطقة وقوة ضامنة للأمن في الخليج والقرن الأفريقي
يعيش العالم الآن تقلبات هائلة على مختلف المستويات سياسياً واقتصادياً وحربياً وعسكرياً، ما يشي بأفول نظام وقوى عظمى وصعود أخرى، فها نحن نرى الولايات المتحدة تعيد تعريف دورها وأولوياتها مُحاولةً استباق ما ينتظرها وتثبيت سيطرتها على العالم ليس بإصلاح النظام القائم إنما عبر تحطيمه وإعادة تشكيله من الصفر، فيما تختبر روسيا حدود الغرب متطلعةً إلى أراضيه والقفز على جيرانها، بينما تراقب الصين كل ذلك معتمدةً سياسة التمدد والسيطرة الاقتصادية، في الوقت نفسه الذي تتجرع فيه أوروبا مرارة التخلي الأميركي عنها وتجد نفسها أمام تحدّ جوهري يتطلب منها التحرك الفوري لإدارة أمنها واستقرارها واستقلالها الاستراتيجي والحفاظ على حظها في أن تكون قوة فاعلة ذات وزن وتأثير، ولا يتأتى ذلك إلا عبر تضحيات كبيرة وتخلٍّ صريح للقارة عن رفاهيةٍ اعتبرتها حقاً مكتسباً لعقود اعتماداً على المظلة الأميركية.
مؤتمر ميونخ للأمن.. "العالم تحت الدمار"
ولعل مؤتمر ميونخ للأمن الذي عُقد قبل أيام وتم تنظيمه بالمناسبة تحت شعار "العالم تحت الدمار" في إشارة رمزية إلى تصاعد النزاعات المسلحة وتآكل منظومة الأمن الجماعي واتساع فجوة الثقة بين القوى الكبرى والذي كان لأكثر من ستة عقود منصةً للتنسيق وتبادل الرؤى بين حلفاء الأمس، بات اليوم في دورته الثانية والستين كمرآة تعكس الصدع في بنية النظام الدولي، إذ عكست كلمات القادة الأوروبيين حجم القلق من تفكك النظام الدولي وتزايد التحديات الجيوسياسية من الحرب في أوروبا إلى التنافس الأميركي الصيني، مروراً باضطرابات الشرق الأوسط والتهديد الأميركي الإسرائيلي لإيران فضلاً عن أزمات الطاقة. خلال المؤتمر حملت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نعياً رسمياً للمؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، موضحاً أنها لم تعد تناسب معطيات العصر الحالي وأن مصالح أميركا الوطنية مقدمة على استقرار النظام العالمي، قائلاً إنه لا يمكن الاستمرار في وضع ما يسمى بالنظام العالمي فوق مصالح شعوبنا ودولنا وإن الولايات المتحدة لن تسعى لتدمير النظام العالمي ولكن لترميمه وتجديده ليخدم المصالح الأميركية وحلفاءها، في المقابل جاءت كلمات القادة الأوروبيين خلال المؤتمر معبرةً عن صدمتهم، إذ اتفقت كلماتهم على أن النظام العالمي الذي كانوا يعرفونه لم يعد موجودًا، وهذا ما جاء نصاً في كلمة المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وكذلك رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن التي قالت بوضوح إن "النظام العالمي القائم على القواعد، كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يعد موجوداً على أرض الواقع".
منطقتنا العربية والإسلامية والواقع الجديد
والتساؤل المهم بالنسبة لنا أين سيكون موقع منطقتنا العربية والإسلامية من هذا الواقع الجديد؟ والحقيقة أن أمام منطقتنا العربية فرصة نادرة لتكون قطبًا فاعلًا وقوة جيوسياسية تتمتع بوزن اقتصادي ومعنوي قادر على التأثير الحاسم في رسم التوازنات العالمية الكبرى على الرغم من الاضطرابات الحاصلة حالياً في المنطقة وخشية المراقبين من اندلاع حرب جديدة في المنطقة تزامناً مع تصريحات نتنياهو والتهديدات المستمرة للرئيس الأميركي ترمب تجاه إيران وحجم الحشود العسكرية الأميركية التي يتوالى وصولها تباعاً إلى المنطقة والتي لا يمكن أن تكون لمجرد التهويش أو استعراض القوة غير أنه لا يمكن لأحد تحديد الخطوة الأميركية القادمة، كون الأمر يتعلق بترمب وحده الذي يصعب التنبؤ بقراراته، هذا فضلاً عن أسلوب التفاوض الأميركي الخشن الذي يفرض شروطه وفوهة السلاح على رقبة خصمه، وهو ما عبر عنه روبيو بالقول في كلمته بمؤتمر ميونيخ: "لقد كانت الأمم المتحدة عاجزة عن كبح البرنامج النووي لطهران، لذا استدعى ذلك 14 قنبلة أُلقيت بدقة من قاذفات B-2 أميركية"، كما أن الملاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واللوبي الصهيوني بأميركا لديه قدرة كبيرة على التأثير في قرارات ترمب وجره إلى حرب قد يسهل عليه بدؤها إلا أنه من الصعب التنبؤ بكيفية انتهائها.
مقومات القوة والأمن العربي الشامل
وأمام كل هذه التقلبات والاضطرابات التي تكاد تعصف بالمنطقة يمتلك عالمنا العربي والإسلامي من القوة الاقتصادية والاستراتيجية ما يؤهله ليس فقط ليكون لاعباً إقليمياً بل ليتبوأ مكانة متفردة وأن يصبح قطباً دولياً مؤثراً في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب الذي يتشكل حالياً من خلال مقومات القوة التي يمتلكها من نفط وغاز يعدان المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي والتحكم في الممرات المائية الحيوية كقناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ومضيق البسفور، وهي شرايين التجارة العالمية والطاقة وكذلك جغرافية المنطقة ومركزيتها وتحكمها في كل مسارات التجارة والربط بين قارات العالم والتحكم في المعابر الرئيسة فضلا عن الطاقة المتجددة من خلال المساحات الشاسعة والسطوع الشمسي، ما يحول المنطقة خاصة دول الخليج وشمال أفريقيا إلى مركز عالمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وكذلك ما تضمه أراضيها من معادن استراتيجية تدخل في الصناعات التكنولوجية والبطاريات، وقبل كل هذا ما تمتلكه بلادنا من قوة بشرية فتية هائلة يحتاجها سوق العمل وتضم ما لا يحصى من الكفاءات المتخصصة. إن بلادنا العربية والإسلامية مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى للتكامل فيما بينها، لضمان أمن المنطقة وتحقيق مفهوم الأمن الشامل لجميع أعضائها بمختلف أبعاده، انتقالاً من المنظور التقليدي الضيق الذي يركز على القوة العسكرية وحدها إلى منظور أكثر اتساعاً يتسم بالشمولية والتكامل، ويشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي وأمن الطاقة والأمن السيبراني والمعلوماتي واستقلال القرار السياسي والتحصين الداخلي للنسيج المجتمعي بمحاربة التطرف والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
المملكة.. قيادة استباقية ضامنة للأمن بالمنطقة
والآن ما بين المنطقة الخليجية إلى دول الشام إلى منطقة القرن الأفريقي، نرى تحولاً كبيراً وجذرياً في السياسة الخارجية السعودية، إذ نشهد تحركات وجهود سعودية وقيادة استباقية نحو التصدي لما يحاك للمنطقة من مخططات ودعم مليشيات وقوى غير حكومية وحركات انفصالية تستهدف تفتيت المنطقة من سورية إلى اليمن وليبيا والسودان والصومال وجيبوتي، إذ باتت الرياض هي البوصلة التي تحدد اتجاه الحلول السياسية والراسمة لخريطة التوازن بالمنطقة عبر تعدد التحالفات فما بين اتفاقية دفاعية مع باكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي بما يعزز من قدرة الردع بالمنطقة إلى تحالف تقوده الرياض ويضم القاهرة وأنقرة نحو استعادة التوازن الإقليمي وحماية وحدة الدول العربية التي تعاني من النزاعات، إلى قيادة حراك دولي لفرض الرؤية العربية لحل القضية الفلسطينية وقطع الطريق على أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية، فضلا عن ضبط المسار في منطقة القرن الأفريقي عبر تحركات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو بناء استراتيجية شاملة تضمن تعزيز الشراكة مع هذه الدول وتوقيع اتفاقات تعاون عسكري وضمان أمن البحر الأحمر وباب المندب وتحجيم نفوذ كيانات بالإقليم تسعى لفرض أمر واقع وفرض أجندات تقسيمية تضر بالمنطقة ككل، فالسعودية تتحرك الآن كدولة كبرى وقائدة للمنطقة وقوة ضامنة للأمن في القرن الأفريقي كما في منطقتنا الخليجية، مدركةً أن استقرار المنطقة سيعود بالنفع على الجميع، ولا ينقص هذه الجهود إلا أن يصطف العرب خلفها في طريقهم ليصبحوا معاً قوةً فاعلة على خارطة التوازنات الدولية.
- أستاذ زائر بجامعة أريزونا الأميركية، مستشار لدى الجامعة الأميركية في بيروت، مؤلف كتاب تحول المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة (رودليج)
إقرأ المزيد


