تصاعد التنافس بين بكين وواشنطن من حرب تجارية إلى نفوذ عالمي
جريدة الرياض -

يتصاعد التنافس بين بكين وواشنطن بوتيرة غير مسبوقة، في مشهد يعيد تشكيل موازين القوى الدولية ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقطاب العالمي. فالعلاقة بين القوتين الأكبر اقتصادياً وعسكرياً لم تعد محكومة بإطار الشراكة الحذرة التي سادت مطلع الألفية، بل تحولت إلى منافسة شاملة تتقاطع فيها ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن والطاقة والنفوذ الجيوسياسي.

منذ أن أعلنت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب حرباً تجارية على الصين، وفرضت رسوماً جمركية واسعة على الواردات الصينية، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة توتر مفتوح. ومنذ مغادرة الرئيس جو بايدن البيت الأبيض، فإن جوهر السياسة الأميركية لم يتبدل جذرياً، إذ استمرت القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في محاولة لاحتواء الصعود الصيني ومنع بكين من تحقيق تفوق تقني قد ينعكس عسكرياً.

في المقابل، تنظر الصين بقيادة الرئيس شي جين بينغ إلى السياسات الأميركية بوصفها استراتيجية تطويق ممنهجة تهدف إلى إبطاء مسارها التنموي وتقويض مشروعها للتحول إلى قوة عظمى بحلول منتصف القرن. ومن هنا، كثفت بكين استثماراتها في الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وعززت شراكاتها الاقتصادية عبر مبادرة الحزام والطريق، ووسعت حضورها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

الملف التايواني يظل إحدى أخطر بؤر التوتر بين الجانبين. فواشنطن تؤكد التزامها بدعم تايوان عسكرياً وسياسياً، بينما تعتبر بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أي خطوات تعزز استقلالها. وقد شهدت الأشهر الماضية تصاعداً في المناورات العسكرية الصينية حول الجزيرة، بالتوازي مع زيارات وتصريحات أميركية اعتبرتها بكين استفزازية، ما يرفع منسوب المخاطر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ولا يقل بحر الصين الجنوبي حساسية عن تايوان، إذ تصر الصين على أحقيتها التاريخية في مساحات واسعة من الممرات البحرية الاستراتيجية، بينما تنفذ الولايات المتحدة دوريات بحرية تحت عنوان حرية الملاحة، في رسالة واضحة مفادها رفض تحويل المنطقة إلى مجال نفوذ صيني مغلق. هذا التوتر البحري يعكس صراعاً أوسع على خطوط التجارة العالمية ومصادر الطاقة ومسارات الإمداد.

اقتصادياً، ورغم حجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين، فإن مسار فك الارتباط الجزئي يتسارع. الشركات الأميركية تعيد تقييم سلاسل الإمداد، وتبحث عن بدائل في دول آسيوية أخرى، في حين تعمل الصين على تنويع شركائها وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية. هذه التحولات قد تؤدي إلى انقسام اقتصادي عالمي بين كتلتين تقودهما واشنطن وبكين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الدول النامية التي تجد نفسها مضطرة للموازنة بين الطرفين.على الصعيد العسكري، يتزايد سباق التسلح في مجالات الفضاء والذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية. الولايات المتحدة تعزز تحالفاتها في آسيا عبر أطر أمنية جديدة، بينما توسع الصين تحديث جيشها البحري والجوي بوتيرة متسارعة. هذا المشهد يشي بملامح حرب باردة جديدة، تختلف أدواتها عن القرن الماضي لكنها لا تقل خطورة من حيث احتمالات سوء الحسابات.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مساحات تواصل محدودة، إذ يدرك الطرفان أن الصدام المباشر ستكون كلفته باهظة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي. لذلك تستمر قنوات الحوار في ملفات المناخ والاستقرار المالي ومكافحة المخدرات، في محاولة لإدارة التنافس ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة.

وتبدو العلاقة بين بكين وواشنطن محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين الردع والتعاون الانتقائي. فالعالم يقف أمام مرحلة انتقالية يتراجع فيها نموذج الهيمنة الأحادية لصالح تعددية أكثر تعقيداً، فيما يتحدد شكل النظام الدولي القادم على وقع هذا التنافس المحتدم بين القوتين، والذي سيبقى العامل الأبرز في رسم خريطة السياسة العالمية خلال العقود المقبلة.

وقد أدت محاولات كل دولة لردع الأخرى إلى تصاعد الاحتكاك في مجالات الدفاع والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية. وما بدأ كسلوك احترازي ​تحول إلى مواقف استراتيجية متبادلة، تفترض العداء طويل الأمد كمبدأ أساسي للسياسة تجاه الدولة الأخرى.

وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين افيرز الأمريكية قال ديفيد لامبتون وهو أستاذ فخري وباحث أول في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ورئيس اللجنة الوطنية للعلاقات الأمريكية الصينية سابقًا ووانج جيسي الرئيس المؤسس لمعهد الدراسات الدولية والاستراتيجية وأستاذ كرسي بويا الفخري في جامعة بكين: إن العداء المتبادل بين  أقوى دولتين يهدد العالم بسباق التسلح، والشلل المؤسسي، وإهمال التهديدات المشتركة  للبشرية كالتغير ‌المناخي، والأوبئة، وعدم الاستقرار المالي.

ويحذر الباحثان الأمريكي والصيني من أنه في مثل هذا العالم، قد تخرج الصراعات عن السيطرة بسهولة، حيث يمكن وقوع المجتمعات والنظام الدولي في دوامة من العداء المدار، وتراجع الرخاء، وانعدام الأمن نتيجة عدم وجود ضوابط فعالة لتنظيم التنافس بين القوى العظمى. وفي هذه الحالة يصبح التنافس بين بكين وواشنطن هدفاً في حد ذاته، يدفع ثمنه العالم أجمع وليس الدولتان فقط.

بعبارة أخرى، سيصبح العالم مكاناً أكثر اضطرابًا، وانقسامًا، وخطورة إذا اشتدت حدة التنافس بين بكين وواشنطن واستمرت الدولتان في تضييق هامش حل المشكلات الجماعي. علاوة على ذلك، ومع تصاعد التوترات بفعل انعدام الثقة والضغوط السياسية الداخلية، يكمن الخطر اليوم في نشوب صراع عارض أكثر من الصراع المتعمد. على سبيل المثال لو وقع اليوم حادث عارض مثل حادث اصطدام مقاتلة صينية بطائرة استطلاع أمريكية من طراز إي.بي-3 قرب جزيرة هاينان الصينية في أبريل/نيسان 2001. أو قصف الولايات المتحدة للسفارة الصينية في بلجراد في مايو/أيار 1999 لكان يمكن أن يؤدي ليس فقط إلى مواجهة عسكرية أكبر بين البلدين، بل ربما إلى حرب نووية مدمرة.

مع ذلك، فإن لامبتون مؤلف ​كتاب «العلاقات الأمريكية الصينية المعاصرة: من الحرب الباردة إلى الحرب الباردة» وجيسي مؤلف كتاب «قصص الحرب الباردة» لا يريان هذا المسار الكابوسي حتمياً، وإنما يمكن أن تتيح الأشهر القادمة فرصة نادرة تسهم فيها التطورات السياسية، والضرورات الاقتصادية، والإرهاق الاستراتيجي لدى كلا الجانبين في تهيئة الظروف الملائمة لاستقرار العلاقات الثنائية وتطبيعها.

ويقول المحللان: «بصفتنا باحثين مخضرمين في الولايات المتحدة والصين، فقد عشنا قرابة ستة عقود من التقلبات في العلاقات الثنائية، وندرك تماماً أضرار شبح المواجهة بين ‌بلدينا، لذلك نكره احتمال ​دخول جيل آخر في حرب باردة جديدة». وبدون تحرك سياسي مدروس وفي الوقت المناسب، سيسود الجمود والتنافس تلقائياً، مما يزيد من خطر المواجهة ذات العواقب العالمية. فما يحتاجه العالم ليس العودة إلى الأشكال التقليدية للتفاعل الأمريكي الصيني بقدر ما يحتاج إلى تطبيع ‌جديد للعلاقات يجنب الطرفين الانزلاق إلى حافة الهاوية.

وتكمن المشكلة في أن كل ‌طرف ينظر حالياً إلى الآخر من منظور أسوأ السيناريوهات. ففي واشنطن، ينظرون إلى الصين باعتبارها الخصم الرئيس للولايات المتحدة على الصعيد العالمي، ولتفوقها التكنولوجي، وهيمنتها الاقتصادية، ومعاييرها الديمقراطية. أما في بكين، فينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي تسعى لاحتواء صعود الصين، وتقويض الحزب الشيوعي الصيني، والحفاظ على هيمنة «أمريكا أولًا» على حساب الصين.

في الوقت نفسه أصبح الردع العسكري أكثر تعقيداً وذلك بفضل التحديث السريع للقوات النووية والتقليدية، فضلاً عن توسع القدرات القتالية الجديدة في الفضاء، وتكنولوجيا الفضاء الإلكتروني، والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وسيدفع هذا التعقيد الدولتين إلى مزيد من التحوط من ‌خلال مضاعفة عدد الأسلحة وتنوعها. وقد بدأ بالفعل سباق تسلح متصاعد بوتيرة متسارعة، مما يزيد من حالة عدم اليقين والتكاليف.

وفي غضون ذلك، شهد غرب المحيط الهادئ تصاعداً في الاحتكاكات البحرية والجوية، مع وقوع عدة حوادث كادت أن تؤدي إلى اشتباكات بين القوات الصينية والأمريكية. ولم يعد خطر الصراع العسكري، سواء كان ​ذلك بسبب سوء تقدير أو حادث عارض أو تصاعد أزمة، مجرد احتمال نظري. وفي هذه الحالة سيشهد العالم حربا بين أكبر اقتصادين يمتلكان ترسانة نووية مدمرة وهو ما يستحيل معه أن تظل خسائر المواجهة مقصورة على الدولتين.

ورغم ذلك ثمة مؤشرات على أن الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترمب قد يرحبان بلحظة تقارب كتلك التي شهدتها العلاقات الثنائية في سبعينيات القرن الماضي. ففي أكتوبر الماضي التقى شي وترمب في بوسان بكوريا الجنوبية. وشدد الزعيمان على التعاون وخفض التصعيد في العلاقات الأمريكية الصينية، لا سيما في مجال التجارة، مع بعض التحفظات المهمة. وقال شي: إن الصين والولايات ​المتحدة يجب أن تكونا «شريكين وصديقين»، وحث الجانبين على التركيز على المنافع المتبادلة طويلة الأجل، وجعل التجارة والتعاون الاقتصادي أساساً للعلاقة بدلاً من تأجيج التوترات.

من ناحيته وصف ترمب الرئيس الصيني بأنه «قائد عظيم لدولة بالغة القوة»، في إشارة واضحة - على الأقل من الناحية الخطابية - نحو الدبلوماسية والتعاون التجاري بدلاً من المواجهة. كما أن تفاؤله بالتوصل إلى اتفاق أوسع أظهر أن الاجتماع لم يكن غاية في حد ذاته، بل خطوة نحو تعاون اقتصادي أشمل. كما وصف القمة بأنها تجمع «مجموعة الدولتين»، على غرار «مجموعة السبع» أو «مجموعة العشرين» وهو ما يعتبر بالنسبة لبكين مستوى جديداً وأعلى من الاحترام.

ويرى لامبتون وجيسي أنه لا ينبغي الاستهانة بمثل هذه الإشارة المعنوية لأن القادة الصينيين يكونون أكثر حساسية عندما يشعرون بأن الولايات المتحدة تحاول حرمانهم من الاحترام وعزلهم، وعندما يشعرون بأنهم في موقف أضعف من واشنطن. في عهد أوباما، رفضت واشنطن صراحة دعوة بكين إلى «نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى»، ورفضت اقتراحات اعتبار الصين العضو الثاني في «مجموعة الدولتين» الجديدة. لكن الآن، ومع ما حققته الصين من مكاسب على صعيد القوة والمكانة - وأخطاء واشنطن في السياسة الداخلية والخارجية - تشعر بكين بمزيد من الثقة، وهو شعور عززته تصريحات ترامب.

في الوقت نفسه، لا ينبغي لبكين وواشنطن السعي وراء أي نوع من تقاسم الهيمنة المزدوجة الذي يؤدي إلى إثارة قلق جيرانهما والقوى المتوسطة في كل مكان. لكن عليهما إفساح المجال لبعضهما بعض في النظام الدولي وهياكل الأمن الإقليمي. وهذا من شأنه أن يطمئن الدول الأخرى بأنها لن تقع ضحية منافسة محمومة بين القوى العظمى. وفي المستقبل، ينبغي لكل من بكين وواشنطن أن تؤسس تفاعلاتها على أساس التعددية القطبية والتحالفات المتعددة الأطراف.

 أخيراً، يقول لامبتون وجيسي إن ​صانعي السياسات والباحثين في كلا البلدين يمتلكون اليوم أدوات تحليلية استثنائية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لم تكن متاحة للأجيال السابقة. هذه القدرة التقنية ضرورية لإدارة العلاقات الدولية بشكل سليم. لكن حتى أكثر صانعي السياسات تطوراً، ممن يعتمدون على التكنولوجيا المتقدمة، لا يستطيعون محاكاة حرب حقيقية، لما قد تسببه من خسائر فادحة في الأرواح. لذا، فإن منع مواجهة دامية بين الصين والولايات المتحدة يتطلب أمراً آخر وهو  ذاكرة استراتيجية، وخبرة في إدارة الأزمات، وثقة متبادلة تتأسس على مدى عقود

استعراض طلاب أميركيين في عرض عسكري


إقرأ المزيد