جريدة الرياض - 1/23/2026 3:30:13 AM - GMT (+3 )
صراع السياسة والمناخ والموارد
تحـولت مختبـراً طبيعياً يراقبـه العلمـاء
ظهرت توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في غرينلاند بشكل علني وغير مسبوق عندما طرح فكرة الاستحواذ عليها باعتبارها صفقة إستراتيجية، وهو طرح لم يكن مجرد تصريح عابر بل استند إلى رؤية جيوسياسية أميركية قديمة ترى في الجزيرة ركناً أساسياً من أمن الولايات المتحدة القومي حيث يعتمد ترمب في هذا الطموح على الموقع الجغرافي الحاكم لغرينلاند وقدرتها على تعزيز السيطرة الأميركية على القطب الشمالي وتأمين التفوق العسكري والردع المبكر في مواجهة روسيا والصين إضافة إلى الثروات الطبيعية الكامنة التي تتماشى مع عقلية ترمب التجارية القائمة على الاستثمار والسيطرة الاقتصادية والهدف من ذلك يتمثل في منع تمدد الخصوم الدوليين في المنطقة وتحويل غرينلاند إلى قاعدة نفوذ أميركية متقدمة تضمن لواشنطن اليد العليا في سباق الموارد والممرات البحرية الجديدة في عالم يتغير فيه ميزان القوى بسرعة.
السيطرة على غرينلاند
وعاد الرئيس ترمب إلى الدعوة لسيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند بعد الغارة العسكرية الأميركية على فنزويلا، التي جرى خلالها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك.
وفي اليوم التالي للعملية، قال ترمب للصحافيين: "نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي. إنها ذات أهمية إستراتيجية كبيرة. في الوقت الحالي، غرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان".
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن: إن "الولايات المتحدة لا تملك أي حق في ضم أي من الدول الثلاث في مملكة الدنمارك".
وخلال ولايته الرئاسية الأولى، عرض ترمب شراء الجزيرة، لكن عرضه قوبل بالرفض وقيل له إنها ليست للبيع.
وأعاد إحياء اهتمامه بغرينلاند بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، ولم يستبعد استخدام القوة. وقد أثار موقفه صدمة في الدنمارك؛ العضو في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» التي لطالما تمتعت بعلاقات وثيقة بواشنطن.
وشهدت غرينلاند أيضاً زيارات رفيعة المستوى أثارت جدلاً واسعاً؛ إذ زارها جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مارس 2025، وألقى خطاباً اتهم فيه الدنمارك بعدم الاستثمار بما يكفي لحماية الإقليم.
وتجدّد الجدل بشأن نيات الولايات المتحدة في أواخر عام 2025، عندما عيّن ترمب مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند، هو جيف لاندري، الذي تحدّث علناً عن جعل الجزيرة جزءاً من الولايات المتحدة.
الأهمية الإستراتيجية
تقع جزيرة غرينلاند في قلب الشمال المتجمد حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة وتتشابك الطبيعة القاسية مع حسابات القوى الكبرى وتعد أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة وتشكل كتلة جليدية هائلة تمتد بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي وهو موقع يمنحها قيمة إستراتيجية استثنائية.
هذا الموقع جعل من غرينلاند بوابة طبيعية للقطب الشمالي ونقطة ارتكاز لأي حضور عسكري أو اقتصادي في هذه المنطقة التي كانت لعقود طويلة هامشية بسبب قسوة المناخ وصعوبة الوصول لكنها اليوم تتحول تدريجياً إلى مسرح تنافس مفتوح مع ذوبان الجليد وظهور ممرات بحرية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.
وتشير تقديرات ملاحية إلى أن هذه الطرق الجديدة قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية وتقلص الاعتماد على الممرات التقليدية مثل قناة السويس ومضيق ملقا وهو ما يضع غرينلاند في قلب معادلة الأمن البحري والاقتصادي العالمي.
الجزيرة تمثل كذلك نقطة متقدمة للرصد والإنذار المبكر في الفضاء والجو وهو ما يفسر الاهتمام العسكري القديم والمتجدد بها خاصة من قبل الولايات المتحدة التي تعتبر أن السيطرة أو النفوذ في غرينلاند جزء من منظومة الدفاع عن أميركا الشمالية.
البعد السياسي والسيادة
تخضع غرينلاند رسمياً لمملكة الدنمارك لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عقود مع صلاحيات متزايدة في إدارة شؤونها الداخلية فيما تبقى ملفات الدفاع والسياسة الخارجية بيد كوبنهاغن.
هذا الوضع القانوني الخاص جعل الجزيرة نموذجاً معقداً للسيادة المقيدة حيث تتعايش الهوية المحلية مع الارتباط السياسي بدولة أوروبية بعيدة جغرافياً وثقافياً.
خلال السنوات الماضية تصاعدت في غرينلاند نقاشات داخلية حول الاستقلال الكامل مدفوعة برغبة في التحكم بالموارد الطبيعية وبالقرار السياسي في ظل تزايد الاهتمام الدولي بالجزيرة.
لكن هذا الطموح يصطدم بتحديات اقتصادية وهيكلية أبرزها الاعتماد المالي الكبير على الدعم الدنماركي وضعف القاعدة الإنتاجية المحلية ما يجعل خيار الاستقلال محفوفاً بالمخاطر.
القوى الكبرى تراقب هذا النقاش الداخلي عن كثب حيث ترى الولايات المتحدة أن بقاء غرينلاند ضمن الفلك الغربي ضرورة إستراتيجية بينما تخشى أوروبا من أن يؤدي أي فراغ سياسي إلى فتح الباب أمام نفوذ صيني أو روسي متزايد.
أما الصين فتتعامل مع ملف السيادة بحذر وتفضل الاستثمار الاقتصادي طويل الأمد دون صدام سياسي مباشر فيما تستخدم روسيا خطاب القانون الدولي وحماية القطب الشمالي لتبرير حضورها المتنامي في المنطقة.
التنافس الدولي في القطب الشمالي
لم يعد القطب الشمالي منطقة معزولة بل تحول إلى ساحة تنافس جيوسياسي معقد تتداخل فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والبيئية وتعد غرينلاند إحدى أهم حلقات هذا التنافس.
الولايات المتحدة تنظر إلى الجزيرة باعتبارها جزءاً من أمنها القومي وقد عززت حضورها العسكري عبر قواعد ومرافق إستراتيجية تستخدم للمراقبة والاتصال والردع المبكر.
في المقابل تسعى الصين إلى ترسيخ موطئ قدم اقتصادي من خلال مشاريع بنية تحتية واستثمارات في التعدين والطاقة مقدمة نفسها كشريك تنموي لا كقوة عسكرية وهو أسلوب يثير قلق العواصم الغربية.
روسيا من جهتها توسع من قدراتها العسكرية في القطب الشمالي وتعتبر أن أي اختلال في ميزان القوى بالمنطقة يهدد أمنها الإستراتيجي خاصة مع اقتراب حدود الناتو من مجالها الحيوي.
هذا التنافس الثلاثي يضع غرينلاند في موقع حساس حيث تجد نفسها مطالبة بالموازنة بين فرص الاستثمار والحفاظ على السيادة وعدم التحول إلى ساحة صراع مفتوح.
كما أن التنافس لا يقتصر على الدول الكبرى بل يشمل تحالفات إقليمية ومنظمات دولية تسعى لوضع قواعد حاكمة للمنطقة في ظل غياب نظام قانوني دولي صارم ينظم سباق النفوذ في القطب الشمالي.
الثروات الطبيعية والاقتصاد
تختزن غرينلاند ثروات طبيعية هائلة ظلت لسنوات طويلة حبيسة الجليد وتشمل معادن نادرة تدخل في صناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة إضافة إلى احتياطات محتملة من النفط والغاز.
هذه الموارد جعلت الجزيرة محط أنظار الشركات العالمية والدول الباحثة عن تأمين سلاسل التوريد في عالم يشهد تحولات في مصادر الطاقة والتكنولوجيا.
لكن استغلال هذه الثروات يثير جدلاً داخلياً واسعاً بين من يرى فيها فرصة تاريخية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وبين من يحذر من الأضرار البيئية والثقافية التي قد تلحق بالمجتمع المحلي.
الاقتصاد الغرينلاندي لا يزال يعتمد بشكل أساسي على الصيد والدعم الحكومي مع محدودية البنية التحتية وصعوبة المناخ ما يجعل أي طفرة اقتصادية محتملة مرتبطة بالاستثمارات الخارجية.
هذا الواقع يفرض معادلة دقيقة على صناع القرار في الجزيرة تتمثل في كيفية جذب الاستثمارات دون التفريط بالسيادة أو تدمير البيئة التي تشكل أساس الهوية المحلية وركيزة الحياة.
كما أن تقلبات الأسواق العالمية وتغير أولويات الطاقة تضيف بعداً آخر من عدم اليقين حول مستقبل الرهان على الموارد الطبيعية كمخرج اقتصادي وحيد.
التغير المناخي وتداعياته
تعد غرينلاند واحدة من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغير المناخي حيث يشهد الغطاء الجليدي ذوباناً متسارعاً له انعكاسات محلية وعالمية.
هذا الذوبان لا يهدد فقط النظم البيئية والحياة التقليدية للسكان بل يسهم في ارتفاع منسوب البحار عالمياً ما يجعل مصير الجزيرة مرتبطاً مباشرة بمصير مدن ساحلية بعيدة.
غرينلاند تحولت مختبراً طبيعياً يراقبه العلماء لفهم ديناميكيات المناخ والتغيرات الجيولوجية ما يمنحها بعداً علمياً إضافة إلى بعدها السياسي.
المفارقة أن التغير المناخي الذي يهدد وجود الجزيرة هو ذاته الذي يفتح أمامها فرصاً اقتصادية وملاحية جديدة وهو ما يضعها أمام معضلة أخلاقية وإستراتيجية.
فبينما تسعى القوى الكبرى لاستغلال الفرص التي يتيحها ذوبان الجليد تطالب أصوات محلية ودولية بحماية البيئة والحد من الأنشطة الصناعية التي قد تسرع من الكارثة المناخية.
هذه المعادلة تجعل من غرينلاند رمزاً للتناقض العالمي بين التنمية والحفاظ على الكوكب.
المجتمع والسكان والهوية
يتميز مجتمع غرينلاند بتركيبة سكانية صغيرة يغلب عليها السكان الأصليون الذين حافظوا على ثقافتهم ولغتهم ونمط حياتهم رغم قرون من التغيرات السياسية.
الهوية المحلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة وبالصيد وبالتقاليد الجماعية وهو ما يجعل أي تحول اقتصادي أو سياسي سريعاً مصدر قلق اجتماعي.
يعاني المجتمع من تحديات متعددة تشمل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة ومشكلات اجتماعية ناتجة عن العزلة الجغرافية والتحولات الثقافية.
في الوقت ذاته يظهر جيل شاب أكثر انفتاحاً على العالم يسعى للاستفادة من التعليم والتكنولوجيا دون التخلي عن الجذور الثقافية.
هذا التوتر بين التقليد والحداثة ينعكس على النقاش السياسي حول مستقبل الجزيرة حيث تتقاطع قضايا الهوية مع قضايا السيادة والتنمية.
المجتمع المحلي يجد نفسه في قلب لعبة دولية أكبر منه وهو ما يفرض عليه إعادة تعريف أولوياته وحماية صوته في مواجهة المصالح الخارجية.
الدور المستقبلي لغرينلاند
مستقبل غرينلاند مرهون بتفاعلات معقدة تجمع بين السياسة والاقتصاد والمناخ والهوية ومع تسارع الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي ستزداد الضغوط والفرص في آن واحد.
أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في بقاء الجزيرة ضمن إطار الحكم الذاتي مع تعميق الشراكات الاقتصادية الغربية وضبط الاستثمارات الأجنبية بما يحفظ التوازن.
سيناريو آخر يقوم على تعزيز مسار الاستقلال التدريجي بدعم دولي مشروط وبناء اقتصاد متنوع يقلل الاعتماد على الدعم الخارجي.
في المقابل يحذر مراقبون من سيناريو تنافسي قد تتحول فيه غرينلاند إلى ساحة صراع نفوذ ناعم أو صلب إذا فشلت القوى الدولية في التوصل إلى تفاهمات مستقرة حول القطب الشمالي.
المرجح أن تلعب الدبلوماسية دوراً محورياً في تحديد المسار حيث ستحتاج الجزيرة إلى سياسة خارجية ذكية رغم محدودية صلاحياتها تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد.
في المحصلة تبدو غرينلاند اليوم أكثر من مجرد جزيرة جليدية نائية بل عقدة جيوسياسية تعكس تحولات النظام الدولي وتطرح أسئلة كبرى حول السيادة والبيئة ومستقبل التوازنات العالمية.
إقرأ المزيد


