جريدة الرياض - 1/12/2026 2:34:48 PM - GMT (+3 )
لا يأتي الإصلاح النووي الجريء الذي تقوده الهند وهو عبارة عن مشروع قانون الإستخدام المستدام وتطوير الطاقة النووية من اجل تحويل الهند ( شانتي ) لعام 2025م، في سياق معزول بل يأتي ذلك في وقت تسعى فيه البلاد إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للذكاء الإصطناعي ومراكز البيانات العملاقة وهي صناعات ذات شهية هائلة لإستهلاك الكهرباء والتي تعيد تشكيل سياسات الطاقة حول العالم . وعلى الصعيد العالمي، تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في مختلف أنحاء العالم إلى الطاقة النووية كوسيلة لمواكبة الطلب المتصاعد على الكهرباء الناتج عن الذكاء الإصطناعي .
ومن جهتها ، في آسيا، تعمل الصين وكوريا الجنوبية على تطوير تصاميم مفاعلات نووية صغيرة معيارية بهدف استخدامها في القطاعات الصناعية ومجمعات الذكاء الإصطناعي حيث اصبحت الهند الآن جزءاً من هذا التوجه ايضاً . إذ تبلغ سعة مراكز البيانات فيها نحو 1.3 جيجاواط في عام 2025م والتي من المتوقع أن ترتفع إلى 4.7 جيجاواط بحلول عام 2030م حيث يعود جزء كبير من هذا النمو إلى الذكاء الإصطناعي. ومع تصاعد الطلب، يستثمر كل من المستثمرين الدوليين والمحليين مليارات الدولارات في البنية التحتية للذكاء الإصطناعي في الهند .
كما اشار تقرير إلى أن جوجل تستثمر 15 مليار دولار في إنشاء مركز الذكاء الإصطناعي في فيشاخاباتنام بالهند في حين أعلنت مايكروسوفت عن استثمار 21.5 مليار دولار موزعة على كل من مومباي وشيناي وحيدرآباد الهندية . كما تستثمر شركة أمازون ويب سرفيز (إيه دبليو إس ) مبلغ بقيمة 8.3 مليار دولار في ولاية ماهاراشترا اضافة إلى ملياري دولار أخرى في تالينغانا. وفي الوقت نفسه، تقوم شركة ريلاينس إندسريس ببناء مجمعات الذكاء الإصطناعي يسمى بجيجاواط سكيل في ولايتي غوجرات وفيشاخاباتنام الهندية بسعة اجمالية تبلغ 4 جيجاواط . كما تلتزم شركة تاتا الهندية بإستثمار 7 مليارات دولار لإنشاء مجمع جاهز للذكاء الإصطناعي بقدرة 1 جيجاواط .
ومن جهته ، تستهدف مبادرة " مهمة الذكاء الإصطناعي في الهند الحكومية " التي اطلقت عام 2024م بتمويل مبلغ قدره 1.24 مليار دولار توفير أكثر من 10 آلاف وحدة معالجة رسومية (جي بي يو ) على مدى خمس سنوات حيث تبلغ قيمة سوق مراكز البيانات المخصصة للذكاء الإصطناعي في الهند حوالي 1.19 مليار دولار في عام 2025م . ومن المتوقع أن تصل إلى 3.1 مليار دولار بحلول عام 2030م بمعدل نمو سنوي بنسبة 21% مع العلم أن أنظمة الذكاء الإصطناعي تستهلك طاقة كهربائية أكثر بكثير من الخوادم التقليدية يعني حوالي خمسة إلى ستة اضعاف لكل رف من الرفوف . وفي هذا السياق، يقول المحللون انه خلال السنوات العشر المقبلة قد يرتبط نصف طاقة من مراكز البيانات في الهند بالذكاء الإصطناعي مما سيؤدى إلى تغير جذري في إجمالي الطلب على الطاقة في البلاد على حد اعتبارهم .
يذكر أنه في 16 ديسمبر 2025م، قدمت الحكومة الهندية مشروع قانون " الإستغلال المستدام وتطوير الطاقة النووية لتحويل الهند بالإختصار "شانتي" إلى البرلمان ، وهو اصلاح شامل يتعلق بإلغاء قانونين اساسين هما قانون الطاقة الذرية لعام 1962م وقانون المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية لعام 2010م . وفي حالة إذا تم اتخاذ القرار ايجابياً ، سيفتح ذلك باباً امام الشركات الخاصة لبناء وتشغيل محطات الطاقة النووية من خلال تحديد مسؤولية المشغلين للمحطات اضافة إلى منح هيئة تنظيم الطاقة الذرية صفة السلطة القانونية المستقلة.
كما ينص مشروع قانون "شانتي" على تغيرات والتي كان من الصعب أن تخيلها قبل عشر سنوات . وفي هذا الصدد من الجدير بالذكر أنه سيسمح للشركات الهندية ببناء محطات الطاقة النووية وامتلاكها وتشغيلها بينما لا تزال الشركات ذات السيطرة الأجنبية غير مشجعة ولكن يسمح بالإستثمار الأجنبي بنسبة 49% . كما يقتصر تحمل المسؤولية على المشغلين فقط بحد أقصى 300 مليون من حقوق السحب الخاصة ولن يتحمل الموردون أي مسؤولية ، وهو اصلاً تراجع عن الموقف الهند السابق الذي كان لم يشجع الشركاء الأجانب.
وبشأن الأحكام التنظيمية، سيتم منح هيئة تنظيم الطاقة الذرية صلاحيات قانونية بينما ستتولى هيئة قضائية جديدة الفصل في النزاعات والخلافات في حين ستبقى عمليات تخصيب الوقود النووي وإعادة معالجته وانتاج المياه الثقيلة تحت سيطرة الحكومة وذلك من اجل الحفاظ على سيادتها. وبالنسبة للهند، تعتبر هذه الإصلاحات أساسية لرفع القدرة النووية من 9 جيجاواط حالياً إلى 100 جيجاواط بحلول عام 2047م مما يدعم التزامها بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2070م . ومن الواضح، أن الإصلاحات النووية في الهند لا تقتصر على المناخ فحسب بل يشمل ايضاً الجوانب الهامة للإقتصاد .
كما تعد المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية ( إس امر آر ) وهي جزء اساسي من مشروع القانون كأدوات مرنة لخفض الإنخفاضات الصناعية والتي يمكن استخدامها لتشغيل المصانع الكيمائية ومشاريع تحلية المياه أو حتى تشغيل قواعد عسكرية نائية . كما يحمل مشروع القانون بعداً جيوسياسياً مهماً . إذ تعكس الدبلوماسية النووية الهندية طموحاً أوسع نطاقاً في صياغة قواعد الحوكمة النووية مع تحقيق التوازن بين الشراكات في الشرق والغرب وفي الوقت نفسه الحفاظ على السيطرة السيادية على التقنيات الحساسة.
بالنسبة للعالم، فإن مشروع قانون "شانتي" في الهند يعد أكثر من مجرد إصلاح داخلي بل أنه خطوة جرئية وستعتمد نتائجها على حسن التنفيذ . كما يضع مشروع القانون " شانتي" مساراً أكثر وضوحاً للإستثمار والرقابة . وفي الوقت الراهن ، أوضحت الهند موقفها جلياً – إذ ستكون الطاقة النووية محوراً أساسياً لنموها وجزءاً من سعيها لقيادة الجهود العالمية في مجال المناخ .
إقرأ المزيد


