جريدة الرياض - 5/19/2026 6:38:39 PM - GMT (+3 )
ما الذي يمكن أن يقدمه القطاع الثقافي السعودي الجديد لجمهوره؟
بينما ترسم الرافعات ومشاريع البنية التحتية ملامح تحوّل واسع، بدأت البرامج الثقافية والفنية الأخيرة تقدم لمحة واضحة عن التجارب التي قد تشهدها المملكة في السنوات المقبلة.
من عروض “ساوند ستورم” الغامرة، إلى بينالي الفنون الإسلامية، و“نور الرياض”، وأعمال منال الضويان، وصولاً إلى العرض الموسيقي “الحياة حلم” للسير أنتوني هوبكنز مع الأوركسترا الفيلهارمونية الملكية، تتشكل ملامح مشهد ثقافي جديد يجمع بين التجربة الحسية، والوسائط الفنية المعاصرة، وإعادة تقديم التراث بطرق مبتكرة.
يشهد القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية نمواً متسارعاً، ويعزز دوره كأحد محركات التنمية طويلة الأمد. فمن خلال الاستثمار في البنية التحتية، وبناء القدرات، وتوسيع الشراكات الدولية، يفتح هذا القطاع آفاقاً جديدة أمام المواهب، والمؤسسات، والجمهور، ويسهم في مشاركة قصص المملكة وتراثها مع العالم.
وكان التعاون الدولي، ولا يزال، أحد المحاور الأساسية لهذا التحول. وفي هذا السياق، تواصل المملكة المتحدة لعب دور مهم في دعم الشراكات الثقافية مع المملكة العربية السعودية، من خلال مؤسسات تعليمية وفنية وثقافية رائدة. ومن بين المحطات المرتقبة افتتاح جامعة الرياض للفنون، بالشراكة مع مدرسة غيلدهول للموسيقى والدراما، والكلية الملكية للفنون، وكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، إلى جانب متحف ثقافات العالم، الذي يعمل على بناء شراكات مع عدد من المؤسسات الثقافية الدولية.
وفي هذا الإطار سيشكل عام الثقافة 2029البريطاني محطة بارزة في مسار العلاقات الثقافية بين البلدين. وسيتيح هذا العام فرصة لتقديم أعمال ومشروعات بريطانية في المملكة، وفي الوقت نفسه إبراز الأصوات السعودية الجديدة أمام الجمهور في المملكة المتحدة. كما سيفتح المجال أمام إنتاجات مشتركة تستلهم من الثقافتين، وتعكس عمق الروابط المتنامية بينهما.
بالنسبة للمجلس الثقافي البريطاني، يأتي هذا التوجه امتداداً لأكثر من خمسة عقود من العمل في المملكة العربية السعودية، من خلال تعزيز التبادل الثقافي وبناء العلاقات بين الناس. واليوم، تتواصل هذه الجهود عبر شراكات مع جهات رئيسية مثل وزارة الثقافة، والهيئة الملكية لمحافظة العلا، وإثراء، وحي جميل، لدعم المواهب، وبناء القدرات، وتطوير برامج مشتركة بين البلدين.
ومع اقتراب عام 2029، تركز هذه الجهود على تهيئة أرضية قوية لعام ثقافي يترك أثراً مستداماً. فمن خلال مبادرات مثل برنامج منح العلا، وبرامج الإقامة الفنية، ومشروعات بناء القدرات والتبادل، تتوسع فرص التعاون وتتشكل مسارات جديدة أمام الفنانين والمؤسسات الثقافية في كلا البلدين.
وينسجم هذا المسار مع الرؤية الثقافية الأوسع للمملكة في إطار رؤية 2030، حيث أصبحت الثقافة مساحة للمشاركة والابتكار والتنمية الإنسانية. فالاستثمار في الفنون لا يقتصر على إنتاج العروض والمعارض، بل يمتد إلى تطوير المهارات، وبناء الثقة، وتمكين الأفراد والمؤسسات من النمو بصورة مستدامة.
وفي هذا السياق، تأتي منصة "السعودية الآن" كمساحة رقمية جديدة توثق تطورات التعاون الثقافي بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، وتسلط الضوء على الفرص والمبادرات والموارد التي تدعم بناء شراكات جديدة. ومع توسع التعاون بين البلدين، تسهم المنصة في جعل هذه الشراكات أكثر وضوحاً وقرباً من الجمهور والمهتمين والعاملين في القطاع.
إن المساحات الثقافية الجديدة، إلى جانب عام الثقافة المرتقب، تمنح الجمهور فرصة لاكتشاف مشهد ثقافي متجدد. وخلال السنوات الماضية، أتاح الانفتاح الثقافي في المملكة مساحات للتعرف إلى ثراء الفنون السعودية، من إيقاعات الطار، وأنغام العود، وجمال الرواشين، إلى سكون الصحراء وكرم الضيافة المتجذر في الذاكرة والتقاليد.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بما سيقدمه القطاع الثقافي السعودي لجمهوره، بل بما يمكن أن يصنعه بين الناس. فإذا كانت التجارب الأخيرة مؤشراً على ما هو قادم، فإن الثقافة ستكون قادرة على خلق لحظات مؤثرة، ومساحات للتلاقي، وقصص تساعدنا على فهم بعضنا بعضاً بصورة أعمق. وبذلك، لا تتحول الأماكن وحدها، بل تتعزز الروابط بين الثقافات والمجتمعات.
بقلم ماثيو نولز، مدير المجلس الثقافي البريطاني في السعودية والبحرين
إقرأ المزيد


