صحيفة عكاظ - 4/27/2026 2:10:11 AM - GMT (+3 )
تابع قناة عكاظ على الواتساب
إسلام آباد لم تكن حلقة جديدة في مسار جنيف أو فيينا؛ إنها تطور جذري يتجاوزها تماماً ويحطم قوالبها. محادثات إسلام آباد، التي استضافتها باكستان، لم تكن دبلوماسية «P5+1» الكلاسيكية التي تعتمد على دبلوماسيين مدنيين وضغوط اقتصادية وعقوبات تُفرض من بعيد. أما إسلام آباد فهي دبلوماسية «الجنرال الوسيط» بكل ما تحمله الكلمة من عمق؛ قائد جيش إقليمي نووي يحمل رسائل مباشرة من واشنطن إلى طهران، ويعود بضمانات عملياتية ميدانية لا يستطيع أي وزير خارجية أن يقدمها أو يضمنها.
والدليل الحاسم لم يكن في اللقاءات الرسمية مع الرئيس مسعود بزشكيان أو وزير الخارجية عباس عراقجي. كان في اجتماع المشير منير مع اللواء علي عبداللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي – الجهاز العسكري المشترك الذي ينسق بين القوات النظامية والحرس الثوري. هذا اللقاء لم يكن بروتوكولياً؛ إنه الضمان العسكري الحقيقي. وفي عالم يدرك الجميع أن أي اتفاق نووي يحتاج إلى «خط ساخن» بين القادة العسكريين لتجنّب الحسابات الخاطئة في مضيق هرمز أو فوق سماء الخليج، أصبح هذا الاجتماع أقوى من أي توقيع على ورق.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد. تشير المصادر الاستخباراتية الموثوقة إلى لقاء آخر بعيداً عن الأضواء كان السبب الرئيسي والأعمق للزيارة؛ اجتماع المشير منير المباشر مع قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء أحمد وحيدي. ومع المعلومات الاستخباراتية الجديدة التي تكشف عن تغييرات داخلية مهمة في بنية النظام الإيراني – دون تغيير جذري للنظام نفسه – يبرز وحيدي كصاحب السلطة المطلقة المستمدة من غياب القائد الأعلى الفعلي، ومُشرَّعة ومُدعَّمة بحكومة مدنية ظاهرية يقودها الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي، مع محمد باقر قاليباف كصانع قرار رئيسي خلف الكواليس. هذا اللقاء يصل بالدبلوماسية الباكستانية إلى أرفع مراكز القرار الفعلية داخل الحرس الثوري، مما يجعلها أقدر على ضمان التنفيذ العملياتي. لم يكن اللقاء مع قائد الحرس الثوري مجرد تبادل تحيات، بل تنسيق إستراتيجي دقيق حول أمن مضيق هرمز وضمانات عدم التصعيد وخطوط الاتصال المباشرة.
لماذا نرجح نجاح هذه الصيغة بينما فشل «P5+1» مراراً وتكراراً؟ أربعة أسباب إستراتيجية عميقة تجعلها الحل الذي طال انتظاره:
أولاً: الضمان العسكري الذي افتقرته جنيف تماماً. المفاوضات التقليدية اعتمدت على الثقة السياسية والاقتصادية وحدها، بينما أثبت التاريخ – من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 إلى دبلوماسية كيسنجر المكوكية بعد حرب أكتوبر 1973 – أن الاتفاقات الحساسة تحتاج إلى قناة عسكرية موازية. عاصم منير يتحدث لغة الجنرالات الإيرانيين بلغة مباشرة صادقة من باكستان النووية: «نحن نفهم حسابات القوة، ونستطيع ضمان عدم التصعيد». هذا ما افتقرته جنيف، فأدى إلى انهيار الاتفاق بعد انسحاب أحادي أمريكي.
ثانياً: التنسيق الخليجي المسلح الذي غابت عنه مجموعة«P5+1». على عكس الدبلوماسية الغربية الباردة تأتي باكستان مدعومة بعلاقات إستراتيجية وعلى توافق وتنسيق مع القرار الخليجي الصادر من الرياض. باكستان ليست وسيطاً محايداً، وما يعطي هذا التنسيق قوة إضافية لا تقاوم هي اتفاقية الدفاع المشترك السعودية-الباكستانية. هذه الاتفاقية تمنح باكستان القدرة على ممارسة ضغط عسكري موثوق به على إيران عند الحاجة، ضغط ليس تهديداً مجرداً بل ردع حقيقي يمنح الوساطة «أسناناً» حقيقية في الردع، ويعطي دول الخليج - التي تدفع الثمن الأكبر لأي تصعيد في الخليج العربي – شرعية مباشرة ومصداقية في الضمانات.
ثالثاً: المصلحة الإستراتيجية الباكستانية الذاتية – مصدر الصدق والمصداقية. حدودها المشتركة مع إيران، ومشاريع «الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني»، وأزمة الطاقة الحادة التي تجعل خط أنابيب الغاز الإيراني-الباكستاني أمراً وجودياً – كل ذلك يجعل باكستان شريك مصلحة حقيقياً، لا وسيطاً بعيداً. هذه المصلحة الذاتية ليست ضعفاً، بل قوة هائلة؛ فهي تمنح الوساطة صدقاً لا تمتلكه الوساطات البعيدة. المقترحات الباكستانية مبنية على واقع ميداني مشترك، لا على نظريات سرمدية. بهذا تصبح إسلام آباد شريك مصلحة يضمن التنفيذ، محولاً الجهد الدبلوماسي إلى استثمار إستراتيجي مشترك.
رابعاً: القدرة على إدارة التصعيد الميداني في الوقت الفعلي. باكستان قادرة على تنسيق عملياتي دقيق لحركة الملاحة في المضيق، وضمانات التصعيد، وآليات الإبلاغ المباشر. هذا بالضبط هو ما فشلت فيه كل محاولات العقوبات السابقة. العقوبات تبني جدراناً، بينما الدبلوماسية العسكرية تبني جسوراً ميدانية ملموسة. التطورات الأخيرة تؤكد الحاجة لمثل هذه الوساطة بوضوح. وبالمناسبة العملية الإيرانية الأخيرة ضد السفن في مضيق هرمز بعد تمديد وقف إطلاق النار لم تكن فوضى ولا انقساماً داخلياً حول التهدئة، بل كانت عملاً محسوباً وفي توقيته الدقيق؛ إعلان إستراتيجي واضح أن ورقة هرمز ستبقى دائماً في الجيب الخلفي لإيران. هذه الرسالة لا تهدد الاتفاق، بل تمنح طهران المساحة اللازمة لبناء سردية «لقد انتصرنا» التي تحتاجها الآن لتوقيع اتفاق دائم دون أن تبدو خاسرة.
وفي هذا السياق، تبرز إسلام آباد – وليست جنيف – كالسبيل الأكثر واقعية وفاعلية نحو الخروج من المأزق الراهن. وفي هذه اللحظة الحاسمة، على القيادة الإيرانية أن تدرك أن مطاردة سراب جنيف قد تؤدي إلى ضياع الواحة الحقيقية التي تقف على أعتابها في إسلام آباد. فالتاريخ يشهد أن الأطراف التي أصرّت على الصيغ القديمة الفاشلة طمعاً في «الكمال» البعيد، خسرت الفرص الواقعية المتاحة ووجدت نفسها أمام عقوبات أشد وأزمات أعمق. إسلام آباد ليست خياراً تكميلياً، بل هي اليوم الطريق الوحيد القادر على تقديم ضمانات عسكرية ميدانية صادقة ومستدامة، مدعومة بتنسيق خليجي ومصلحة مشتركة حقيقية. قد تكون هذه آخر نافذة سانحة قبل أن تغلق الأبواب.
نحن أمام اختبار عملي حيّ لفعالية الدبلوماسية المكوكية العسكرية. هل تنجح جهود المشير عاصم منير، وما يرتقب كجولات قادمة من محادثات إسلام آباد، في تحويل النظرية إلى واقع ميداني ملموس؟ هل ستمضي هذه الصيغة قدماً حتى اتفاق شامل مستقبلاً لتصبح المنصة الرئيسية لإعادة صياغة الدبلوماسية النووية في الشرق الأوسط؟ التاريخ يعلمنا أن النجاح ليس مضموناً، لكنه أصبح اليوم ممكناً كما لم يكن من قبل. فالدبلوماسية التي تتحدث لغة الجنرالات، وتصل مباشرة إلى أعلى مراكز القرار في الحرس الثوري، وتفهم حاجة طهران إلى سردية انتصار، هي وحدها القادرة على تحويل الاتفاقات الورقية إلى سلام حقيقي مستدام.
إقرأ المزيد


