صحيفة عكاظ - 4/9/2026 12:21:36 PM - GMT (+3 )
في فضاءٍ تتقاطع فيه أصالة الذاكرة مع طموح المستقبل، واصل ملتقى *«قراءة النص 22»* بجدة رحلته المعرفية، حيث لم تعد الجلسة الرابعة مجرد نقاشات أدبية، بل تحولت إلى ورشة عمل فكرية لإعادة تعريف العلاقة بين النص السعودي والتحولات الكبرى التي تعيشها المملكة. تحت إدارة علي الزبيدي، انطلقت الأطروحات لتؤكد أن الأدب ليس مرآة للواقع فحسب، بل هو شريك في صناعته.
افتتح الدكتور منصور المهوس الجلسة بوقفة تأملية أمام «الأدب البيئي»، محذرًا من الخلط بين «الوصف التقليدي للطبيعة» وبين «أدب الاستدامة». وبنظرة ثاقبة، دعا المهوس إلى انتقال المبدع السعودي من دور «الواصف» إلى دور «الشريك»، متسائلًا بجرأة: هل استطاع أدبنا تجسير الفجوة بين المشاعر العاطفية تجاه البيئة وبين السلوك الإبداعي الحقيقي؟ وانتهى إلى رؤية طموحة تطالب بإنشاء *«جمعية الأدب البيئي»* لتكون المظلة التي تحول قضايا المناخ والأرض إلى نصوص خالدة تواكب مبادرة «السعودية الخضراء».
وفي سياق التحولات الرقمية، تتبع *الدكتور أحمد اليتيمي* هجرة القصيدة من دفتي الكتاب إلى فضاء «البودكاست»، متخذًا من تجربة «أسمار» نموذجًا. اليتيمي لم يرَ في هذا التحول مجرد تغيير في الوسيط، بل رصد تحولًا سوسيولوجيًا في «الذائقة»، حيث أصبح الأدب متاحًا، تفاعليًا، وعابرًا للحواجز التقليدية، مما يعكس مرونة الثقافة السعودية في استيعاب أدوات العصر الرقمي.
أما الدكتورة منى الغامدي فقد منحت المكان صوته الخاص، مؤكدة أن المدن السعودية في الرواية المعاصرة لم تعد خلفيات صامتة، بل تحولت إلى كائنات حية تعكس ملامح الهوية والانتماء. من استنطاق الذاكرة إلى استشراف المستقبل عبر الخيال العلمي، بينت الغامدي كيف تحول المكان إلى أداة ترويج سياحي وثقافي، بل وصار بُعدًا رقميًا يجسد طموحات المدن السعودية المستقبلية.
واختتم الباحث فيصل السرحان الجلسة بقراءة عميقة في «الرواية التاريخية»، موضحًا كيف أعادت رؤية 2030 فك الارتباط التقليدي مع التاريخ بوصفه حقائق جامدة، لتحوله إلى مجال خصب لإنتاج المعنى وتقرير الهوية الوطنية. السرحان أشار إلى أن الروائي السعودي اليوم لم يعد مجرد «ناقل» للخبر التاريخي، بل أصبح «صانعًا» للخطاب، يستثمر التقاطعات الكبرى للرؤية ليبني أعمالًا أدبية تتجاوز حدود الزمن.
إنها لحظة «الاشتباك» الخلاق مع الواقع؛ حيث لم يعد المثقف السعودي يكتفي بالقراءة، بل بات يكتب مسودة المستقبل بلغة الاستدامة، وتقنيات الرقمية، وعمق التاريخ.
إقرأ المزيد


