جريدة الرياض - 2/23/2026 5:48:03 PM - GMT (+3 )
يشهد التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية تسارعًا غير مسبوق. ففي إطار رؤية المملكة 2030، تتجه الجهود إلى توسيع نطاق الخدمات الحكومية الرقمية، وتحديث القطاع المالي، والاستثمار المكثف في البنية التحتية الذكية والابتكار القائم على البيانات. ومع اتساع هذه المبادرات، أصبحت المنصات الرقمية ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي، وتقديم الخدمات، وتعزيز ثقة المجتمع. وفي المقابل، أضفى هذا التحول بُعدًا أكثر حساسية على مسألة استمرارية الخدمات، حيث بات أي انقطاع محتمل أكثر تكلفةً وأشد أثرًا.
في عصر الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية، يمكن لانقطاع قصير أن يخلّف عواقب وخيمة. فتعطل المنصات المصرفية قد ينعكس على سرعة المعاملات وثقة العملاء وسمعة العلامة، ويزيد من مخاطر عدم الامتثال والعقوبات التنظيمية. كما أن توقف الخدمات الحكومية الرقمية قد يؤثر على المواطنين والشركات. وفي القطاعات الحيوية مثل الطاقة والرعاية الصحية والنقل، قد يرتقي أثر الانقطاع إلى مستوى المخاطر التشغيلية والاقتصادية. أو قد يُشكل مخاطر حقيقية. ومع توجه المملكة العربية السعودية نحو خدمات رقمية فورية ومتاحة على مدار الساعة، لم يعد الاعتماد على الموثوقية خيارًا، بل أصبح ضرورة أساسية.
لا تعاني المؤسسات من نقص في الاستثمارات التقنية؛ بل على العكس، تتجه الشركات والجهات الحكومية في المملكة إلى تبنّي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبيئات متعددة السحابة لدعم الابتكار والتوسع. غير أن هذا التحول يفرض مستوى متزايدًا من التعقيد، حيث تتكون الأنظمة الرقمية الحديثة من عدد كبير من المكونات المتداخلة، وقد يتحول أي منها إلى نقطة خلل. وفي هذا السياق، تواجه حلول المراقبة التقليدية تحديًا في مواكبة هذا التعقيد وتقديم رؤية متكاملة وموثوقة.
لقد باتت هذه الفجوة واضحة. فقد أبرزت الاضطرابات التقنية العالمية التي شهدها العالم خلال العام الماضي مدى هشاشة البيئات الرقمية المعقدة عندما تكون الرؤية غير واضحة. ومع ازدياد توزيع الأنظمة، تواجه المؤسسات نقاط ضعف، وبطءاً في الاستجابة، وصعوبة في فهم التأثير للحوادث على أعمالها. وبدون رؤية واضحة، تُجبر الفرق على الاستجابة بعد تفاقم المشكلات.
وهنا يصبح رصد الحالات أمراً بالغ الأهمية.
عند تطبيقها بشكل صحيح، توفر أدوات المراقبة رؤية موحدة وفورية للبيئات الرقمية، من خلال ربط بيانات التطبيقات والبنية التحتية وتجربة المستخدم ضمن سياق واحد. وبدلًا من الاكتفاء بإخطار الفرق بحدوث الأعطال بعد وقوعها، تُمكّن المراقبة من استباق المشكلات قبل حدوثها، ومساعدة فرق تقنية المعلومات على تحديد الأولويات واتخاذ الإجراءات المناسبة. كما تتيح، بعد حدوث العطل، فهمًا أعمق للأسباب الجذرية وتأثيرها على المستخدمين، وتحديد أنجع السبل لمعالجة الخلل.
تعزيز الرقمنة تعني توقعات أعلى فيما يتعلق بوقت التشغيل
أصبح من الواضح عالميًا أن الأداء الرقمي لا يمكن فصله عن أداء الأعمال. فحوالي ثلثي المؤسسات ترى أن تعزيز الشفافية الرقمية ينعكس مباشرة على الإيرادات، بينما يستفيد نحو ثلاثة أرباعها من زيادة إنتاجية الموظفين. وبالنسبة المملكة العربية السعودية، حيث تتسارع عملية التحول الرقمي ضمن رؤية 2030، تكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر مع تزايد توقعات السكان للسرعة والموثوقية وتجربة المستخدم السلسة.
مع التوسع المتزايد في اعتماد الذكاء الاصطناعي، يزداد التركيز على دوره الحيوي في أتمتة العمليات، وتعزيز تجربة العملاء، ودعم اتخاذ القرارات. غير أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تضيف مستويات جديدة من التعقيد التي يصعب إدارتها دون رؤية شاملة. فحوالي نصف العاملين في قطاع التكنولوجيا عالميًا يشيرون إلى أن مراقبة تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تحديًا. وبدون أدوات مراقبة فعّالة، تخاطر المؤسسات بنشر تقنيات متقدمة دون القدرة على فهمها أو التحكم فيها أو تحسينها بشكل كامل.
بالنسبة لقادة المملكة، يجب الآن النظر إلى فترات التوقف عن العمل على أنها مخاطرة استراتيجية وليست مجرد مشكلة تقنية. فهي تؤثر على الأداء الاقتصادي، واستمرارية الخدمات، وثقة الجمهور، وكلها عوامل حاسمة لنجاح رؤية 2030. ومع توسع الأنظمة الرقمية، يجب أن تتوسع معها قدرتها على الصمود.
تدعم إمكانية المراقبة هذه القدرة على الصمود بثلاث طرق مهمة. أولًا، تُتيح الكشف المبكر عن المشكلات من خلال ربط الإشارات عبر الأنظمة في الوقت الفعلي. ثانيًا، تُوفر وضوحًا بشأن تأثيرها على الأعمال، مما يسمح للقادة الشركات بفهم الخدمات أو المستخدمين أو النتائج المتأثرة وتحديد أولويات الاستجابة وفقًا لذلك. ثالثًا، يُعزز ذلك التعاون من خلال منح الفرق التقنية والتجارية فهمًا مشتركًا لأداء النظام والمخاطر.
تُولي المؤسسات الرائدة عالميًا أهمية قصوى للمراقبة، وتعتبرها أولوية وليست مجرد وظيفة إدارية. تُشير الأبحاث إلى أن المؤسسات التي تتبنى ممارسات مراقبة متطورة تُحقق عوائد أكبر من خلال تقليل وقت التوقف، وتسريع حل المشكلات، وتوفير تجارب رقمية أكثر موثوقية. هذه هي تحديدًا القدرات المطلوبة لدعم طموحات المملكة في تقديم خدمات رقمية موثوقة وقابلة للتوسع.
مع استمرار المملكة العربية السعودية في مسيرتها الرقمية ضمن رؤية 2030، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الأنظمة ستواجه اضطرابات، بل مدى استعداد المؤسسات لمنع التوقف والاستجابة بفعالية عند حدوثه. تُبنى الثقة في الخدمات الرقمية من خلال الاتساق والشفافية والموثوقية على نطاق واسع.
تُوفر المراقبة الأساس لهذه الثقة. فمن خلال تقديم رؤية واضحة وفورية للأنظمة التي تُشغل الاقتصاد الرقمي للمملكة، تُمكّن من اتخاذ قرارات أفضل، وتعزيز المرونة، وتحقيق تقدم مستدام نحو مستقبل رقمي متكامل.
ممدوح علام نائب الرئيس الإقليمي في المملكة والبحرين والكويت لدى Splunk
إقرأ المزيد


